السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٣وَصْفُ الشاعر عبد عمرو بأنَّه أهضم مَدْحٌ ساخر وتهكّمٌ به، لأنَّه كان سمينا، وتصويره بأنَّه جميل ورشيق، بسبب لطف الخصر تعريض به وسخرية، ولم يكتف الشاعر بذلك، بل ذكر أنَّ نساء الحيِّ معجبات بهذا الجمال، ولذا قبعن وعكفن يملأن عيونهنَّ بحسنه وجماله، وقد شبَّهنه بعسيب النخل في نحافة الجسم وضمور البطن. هنا تكمن السخرية؛ لأنَّ الشاعركان كاذبا في وصفه ومدحه، إذ قدَّمه بعكس ما يتَّصف به؛ قصداً إلى التعريض والتهكم.
من هنا نلحظ أنَّ الفكاهة والتهكم ارتبطا بالهجاء، بل إنَّ الهجاء كان نواة السخرية في الأدب العربي. وفي أمثال العرب ما يؤكِّد ذلك كقولهم:" أخسَرُ صَفْقَةً من شيخِ بَهْو"(1) المثل يشتمل على" هزل ودعابة، يراد بهما الترويح عن النفس ودفع السأم ومقاومة رتابة الحياة"(2) وكقولهم: "مُحْسِنَةٌ فَهِيلي"(3) الذي يذمُّ بواسطته رجلٌ مرأةً في صورة مدح، وذلك لما غاب عنها، شرعت تفرغ طعاما من وعائه في وعائها، فلمَّا حضر الرجل دهشت فأخذت تُفرغ من وعائها في وعائه، فقال: ما تصنعين قالت: أهيل من هذا في هذا، فقال محسنةٌ فهيلي. وصار يُضرَب لمن يعمل عملا يكون مصيبا فيه. ظاهر المثل لا يوحي بالذَّمِّ والسخرية، لكن حين استحضار مورده وقصته يُكتشف ما فيه من تهكم. وكقولهم: "ويشرِبُ جمَلُها من الماء "(4) الذي يضرب عند التهكم بالممقوت.
هذه نماذج تثبت أن التهكم والسخرية والفكاهة كانت موجودة في الأدب الجاهلي وإن بشكل بسيط، بعيد عن النقد المعمَّق، مرتبط بعواطف ذاتية، ومنبعث من إثارات ذاتية، يخدم أغراضا شخصية، لا يتعدَّى شخص الساخر وعشيرته وقبيلته، ولهذا قد تبدو السخرية – أحيانا - ساذَجة.
(1) ينظر أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني، مجمع الأمثال، ج1، تحقيق وتعليق محمد محي الدين عبد الحميد، ط2، مطبعة السعادة بمصر، سنة 1379هـ/ 1959م، ص: 252، 253.
(2) الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 120.
(3) ينظر مجمع الأمثال، ج2، ص: 264.
(4) ينظر المصدر السابق، ص: 370.