السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٢١

نلحظ أنَّ الكاتب استعار بعض مصطلحات الصوفية وتهكم بالطرقية، تهكما مريرًا، وقد بناه على التعجُّب ممَّا أبداه العليويُّون من شجاعة وبأس، أو تظاهروا بهما لاغتيال زعيم الحركة الإصلاحية. وهما في الحقيقة على منوال استنسار البغاث والتنمُّر والاستِئساد …

أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فقد كتب مقالاً مطوَّلا تحت عنوان "عادت لعترها لميس"(1) مستلهما المثل العربي الذي ورد بهذه الصيغة. ليندِّد بتعسُّفات المستعمر، التي تجاوزت كلَّ التوقُّعات، وليعدِّد بعض الجرائر التي كان يحي بها بعض العادات السيئة.

فإذا كانت "لميس" اسم امرأة، والعتر يعني الأصل، والمثل يشير إلى عودة الإنسان إلى ما تركه من عادات سيِّئة(2) فإنََّ الإبراهيمي يقول: "أمَّا مضرب المثل فهي الإدارة الجزائرية، وعترها هو الاستعمار البغيض إلى كلِّ نفس وما يقتضيه من ظلم وعنت للمستضعفين، وما يبنى عليه من انتهاك لحرماتهم، وما ينتهي إليه من وحشية في معاملتهم، وقتل لمعنويَّاتهم، ومسخ لأخلاقهم"(3).

كانت بعض العوائد منتشرة في بعض جهات القطر، فتنوسيت بعد أن هجرها الناس لأسباب، فأبى الاستعمار إلاَّ أن يحييها من جديد: "ولما جاءت الحرب وفشت الخصاصة في الناس نسوها وهجروها، والفقر ينهى عن الفحشاء والمنكر أحيانًا، إلى أن عادت لميس، فأزَّت لإحيائها خلفاء إبليس"(4).

توفَّر المثل على السخرية لما وضع في سياق كشف عن ازدراء الكاتب له، ومن ثمَّ حاول التنفيس عمَّا في نفسه من غيظ وحنق. فقوله (والفقر ينهى عن الفحشاء والمنكر أحيانًا) استلهام لقوله تعالى: ﴿الشيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ … ﴾(5) مع

(1) ينظر جريدة البصائر الثانية، ع:64 (24/ 01/1949م).

(2) ينظر مجمع الأمثال للميداني، ج2، ص: 5.

(3) عيون البصائر، ص: 371.

(4) م. س، ص: 372.

(5) سورة البقرة، الآية: 268.

٤٢١ / ٤٩٤