السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٢٢

تحوير فنِّي يستجيب للحالة النفسية للكاتب، ويحقِّق هدفه من هذه التركيبة التعبيرية، وهو السخرية من الاستعمار. كما كان التحوير في حقيقة الفقر الذي قيل عنه كاد الفقر أن يكون كفرًا، إذ كان هنا ناهيًا عن الفحشاء، لكنَّ النهي كان نتيجة الخصاصة التي مرَّت بالشعب الجزائري؛ بسبب الحرب العالمية الثانية.

يضاف إلى ذلك استعمال لفظة " أزَّت" المعبِّرة من خلال جرسها عن الوسوسة وهزِّ النفوس للعودة إلى ارتكاب المنكرات التي يأمر بها الشيطان. هذه التحويرات وهذا الاستيحاء، وهذه اللمسات الفنية، هي التي أعطت المثل صبغة السخرية والتهكم.

بعد ذلك يذكر الكاتب بشيء من التحسُّر الهازئ المعرِّض ما جنته الحكومة الفرنسية على التعليم "وعادت لعترها لميس في هذه الأيام، وكان عودتها هذه المرَّة للمدارس العربية التي تديرها جمعية العلماء، فبعد أن سكتت عليها سنين اتَّسق فيها سيرها، وعاد على الأمَّة خيرها عادت عليها هذه الأيام بالتضييق والتعسير. وأخرجت ما كان مخبوءًا في جعبتها من القوانين والقرارات، ألقت بها في أيدي القضاة وحرسة الأمن ليرهقوا ويغلقوا ويحاكموا، كأنَّما التعليم جريمة، يترتَّب عليها العقاب، وكأنََّ حبل الأمن اضطرب بسبب هذه المدارس ومعلِّميها وأطفالها"(1).

ويعبِّر الكاتب نفسه في موضع آخر عن أساه العميق، وعن ألمه المبرِّح بأسلوب الهازل الهازئ الضاحك من عبث الزمان ومفارقات الدنيا، مقارنًا بين الصحافة الحكومية الاستعمارية التي تعيش وتتحرَّك بكلِّ حرية وقوَّة؛ لأنَّ لها سندًا من العدَّة والعدد، والصحافة الحرَّة التي يشبه شأنها "شأن النواب الأحرار قلَّة في العدد ونضوب في المدد، وريح تلاقي إعصارًا"(2).

لقد وظَّف الكاتب المثل العربي "إن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارا"(3) الذي يضرب مثلا لمن يظهر بأسًا فَيُرمى بمن هو أدهى منه وأشدُّ وأقوى. وقد ساقه في

(1) عيون البصائر، ص: 375.

(2) م. س، ص: 401.

(3) ينظر مجمع الأمثال، ج1، ص: 30.

٤٢٢ / ٤٩٤