السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٢٥هو – نعم الصابة في أكثر البلاد حسنة، ولكنَّ الأسعار منخفضة جدًّا، فهي لا تكفي لسدِّ الضروريَّات، وأداء الديون والله يستر.
أنا – أرى لك ولدًا نجيبًا تلوح عليه مخائل الذكاء، فهل أنت تفكِّر في مستقبله ومستقبل عائلته، فتودعه معهدًا من معاهد العلم لينشأ مهذَّبًا ويشبَّ رجلا كاملاً؟
هو – نعم كنت في الحديقة أمس لالتقاط بعض الثمار لتفكيه العيال بها.
أنا – هل لك أن تعرف أنَّ الناس أصبحوا اليوم هم غيرهم بالأمس، فقد أخذوا يعرفون قيمة الحياة المعنوية ولا يأبهون كثيرًا بالغذاء والقوت وضروريَّات العيال.
هو – نعم كنت أمس مأذونًا في مائدة الأخ الكريم فلان، فأحضر لنا فيها من الألوان ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ به الأعين.
لا نبالغ إذا قلنا إنَّ كثيرا من الناس مع الجرائد ودروسها العظيمة أشبه بحال محادثي الفاضل الأصم معي، والأمر لله"(1).
أبان الحوار عن الألم النفسي الذي ملأ قلب الكاتب، كما كشف عن سخرية مريرة حزينة، واحتقار هذا الصنف من الناس.
أمَّا من أمضى مقاله بـ (م، ق) فكتب مقالاً بعنوان "مقامة النائبة المبلس"(2) أجرى فيها حوارًا بين إبليس ونائبه مبلس. يوصي فيها إبليس النائب بالتحلِّي بمساوئ الأخلاق، وفيها يتعهَّد بإيذاء العلماء، ومنعهم من ارتياد المساجد، حتى لا يقوموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يذكِّروا الناس بما جاء في القرآن الكريم … يجيبه هذا النائب: … "حقَّ لي أن أفتخر بك وأقول: شيخي في كلِّ ذلك الداهية إبليس، ما أغويت أحدًا ولا وسوست في صدره، ولا فرَّقت بين المرء وزوجته، ولا أفسدت بين الصهر وصهره، فالفضل فيه منك وإليك، والمنَّة منَّتُك، والإحسان إحسانُك، والثناء فيه عليك، بيد أنِّي منذ عشعشتَ في قلبي، وبضت وفرَّخت فيه، وران على قلبي ما
(1) "محادثة أصم "، جريدة البستان، ع:10 (11/ 07/1933م). المقال دون إمضاء، هو لأبي اليقظان.
(2) ينظر جريدة المرصاد، ع:59 (14/ 09/1933م).