السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٢٦اكتسبته من الإثم، وفتح لي في التمويه، وتسنَّى لي أن أضلَّ كما تضلُّهم حضرتك من غير تمثيل ولا تشبيه" …(1)
اتَّخذ الجواب طابعًا ساخرًا؛ بسبب هذه الاستجابة التلقائية لوصية إبليس، وإظهار آيات الرضوخ التام لوسوسة الشيطان، وبفعل هذا الاعتراف المنتزع من النائبة المبلس، الذي هو تجسيد هازئ لواقع ما يسود الحياة العامة من الأعمال والتصرفات المسيئة لأقطاب الحركة الإصلاحية، المعرقلة لنشاط رجالها.
ردَّ عليه إبليس التحية: "يا بنيَّ قد رضيت عنك كلَّ الرضا، سأنفخك بالكبر حتىَّ تكون من المتكبِّرين في الأرض، ويصرفك الله عن آياته، كما أخبر هو أصدق القائلين، ﴿سَأَصْرِفُ عَن آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾(2) وسأخلع عليك خلعة العجب، فلا ترى فوقك من أحد من العالمين، وتكون بذلك عندي من المقرَّبين"(3) إلى آخر ما جاء في المقال من النقدات واللذعات والنَّفثات المقدَّمة بأسلوب الحوار الساخر.
لعلَّ الأديب الجزائري الذي استعمل الحوار الساخر في كتاباته أكثر من غيره هو "أحمد رضا حوحو" الذي قال عنه أبو القاسم سعد الله: "لم أعرف أديبًا جزائريًّا وصل إلى مستواه فيه … وكان حواره يمتاز بالسرعة والجدَّة والنكتة، ممَّا جعله خفيفًا على الأذن، قريبًا من القلب، وقد ساعدته شخصية الحمار الذي أجرى على لسانه مناقشات كثيرة للمشاكل الاجتماعية والوطنية، ساعدته هذه الشخصية على طرافة الحوار وخفَّته" …(4) حتىَّ مقالاته النقدية الأخرى كان يكثر فيها من الحوار، وكان يوظِّفه لبثِّ مشاعره، ونقل أفكاره، وكان يميل كثيرا إلى الحوار الداخلي (المونولوج)، ربَّما يرجع هذا إلى الإرهاب الفكري الذي مورس عليه.
كتب يسجِّل واقعًا مريرًا يعيشه بعض الناس، وهو عدم الاكتراث والاهتمام بالعلم والأدب والمعرفة، وعدم تقدير العالم، بينما يكون الجدير بالاحترام والتقدير
(1) م، ن.
(2) سورة الأعراف، الآية: 146.
(3) المرصاد، ع: 59.
(4) دراسات في الأدب الجزائري الحديث، ص: 93، 94.