السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٢٩فمحمد البشير الإبراهيمي يلتجئ إلى تكرير الفكرة بالاستناد إلى حشد مجموعة من الأوصاف المتتالية المتشابهة، وتكرير بعض الكلمات بمختلف صيغها؛ ليكشف عمَّا يقبع في لاشعوره من المقت والكره لخلفاء إبليس، الذين يقومون بأعماله في الأرض، "والتكرار في حقيقته إلحاح على جهة هامَّة في العبارة يُعنى بها الشاعر أكثر من عنايته بسواها … فالتكرار يسلِّط الضوء على نقطة هامَّة حسَّاسة في العبارة، ويكشف عن اهتمام المتكلِّم بها، وهو بهذا المعنى ذو دلالة نفسية قيِّمة، تفيد النَّاقد الأدبي، الذي يدرس الأثر ويحلِّل نفسية كاتبه" …(1)
يقول البشير الإبراهيمي: "ولكن يبدو أنَّ الشيطان المكلَّف بالعمالة الوهرانية، بليد القريحة جامد الفكر، خامد الذوق، جافي الطبع، كثيف الحسِّ، خشن المسِّ، بدوي النَّزعة، وحشيَّ الغريزة، فكلُّ ما يأمر به أولياءه وأتباعه، فهو من جنس طبعه، سمج غثٌّ خالٍ من الجمال والفن والذوق، وقد عهدنا الشيطان "المتمدِّن" لطيف الإحساس، فنِّي الذوق، وعهدنا أعماله فنية الأسلوب، فاتنة المظهر، والفتنة هي سلاح الشيطان الأحدِّ، يكسو بها أعماله، فيصمي الحلماء، ويستنزل النسَّاك إلى مواطن الفتاك. أمَّا هذه الأعمال التي نشاهدها من أولياء الشيطان في عمالة وهران، فهي سخيفة باردة حيوانية وحشية" …(2)
هذه الأوصاف المتتالية تدل على حالة نفسية متأزِّمة، مرَّ بها الكاتب، ملؤها الضيق والضجر والمقت، لم تتمكَّن الكلمات والعبارات من إخراج ما في قلبه من كمد وحسرة. وهو ما ألجأه إلى التكرار؛ ليكشف عن المأساة التي يعانيها.
وقد كان تكرار الكلمات بمختلف الصيغ. مثلاً: لفظة "شيطان" تكرَّرت أربع مرَّات، "الطبع" مرَّتين، "الذوق" ثلاث مرَّات، "الحس" مرَّتين، "وحشي" مرَّتين، "الفن" ثلاث مرَّات، "الفتنة" مرَّتين، "الأعمال" ثلاث مرَّات … كما كانت الأوصاف التي ساقها الكاتب متشابهة في الدلالة المعنوية.