السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٣٠

هذا التكرار لم يفد جديدًا، لا معنويًّا ولا فنيًّا. إذ أنَّنا نستطيع أن نرجع كلَّ ما ورد في النص إلى فكرة واحدة، يكفي فيها وصف واحد أو وصفان. وهي أنَّ الشيطان لم ينجح في إغراء الناس، ولم يتمكَّن من نشر البدع والمعتقدات الفاسدة. كما كان هذا التكرار مملاًًّ، وقد جاء استجابة لعاطفة عارمة، وانفعال حادٍّ دون مراعاة الجانب الفني في التعبير كثيرًا. وهذا عيب يؤخذ على الكاتب. وإن كان هو يهدف إلى توضيح الفكرة أكثر من الاهتمام بالجانب الفني، لأنَّ هذه الأوصاف التي قدَّمها بهذا التكرار تبقى أحكامًا عامة مطلقة، لا تميِّز هذا الشيطان الذي أشار إليه الكاتب عن غيره، كما يصم التكرارُ تجربته بالعقم؛ بسبب الاجترار.

يلتجئ الكاتب نفسه إلى تكرار أو تكرير لفظه "يوحي" ليضع بين أيدينا مفتاح الفكرة التي يحملها نحو الاستعمار وأذنابه، وهي الإصرار بكلِّ قوَّة، وبجميع الوسائل لإنزال الشرِّ بالشعب الجزائري، والإمعان في نشر الفساد في المجتمع. إذ أصبحت لفظة "الوحي" تعني – في سياق ما كتبه الكاتب – "الوسوسة": "يوحي شيطان الاستعمار إلى الحكومة وحيًا متتابعا، لا فترة فيه، فإذا تلقَّت الوحي ونزل به الروح الخبيث على قلبها، نجمته على فترات وأوحت في كلِّ فترة إلى أوليائها ما يثير شرًّا، أو يوقظ فتنة. وقد أصبح المجلس الجزائري اليوم متنزَّل وحيها، فلا تمضي فترة إلاَّ أوحت إليه شيئًا من ذلك النوع، الذي يثير الشرور، أو يوقظ الفتن"(1).

أراد الكاتب أن يسخر من أعمال الاستعماروأذنابه الخاضعين لوسوسة الشيطان، التي وصمها بأنَّها تصرُّفات دنيئة وسافلة … فلجأ إلى لفظة "الوحي" التي كرَّرها ستَّ مرَّات في هذه الفقرة وفي النص تسع مرَّات ليوجِّه الأضواء اللاَّشعورية إلى أعماق نفسه فيطلعنا عليها، فنكتشف مقته وبغضه الشديدين لهذا الاستعمار المتجبِّر المتغطرس. ومن ثمَّ تنتقل العدوى الشعورية إلى المتلقِّي ليحمل الروح نفسها نحو العدوِّ الاستعماري. بذلك يكون الكاتب قد قدَّم الصفة الحقيقية لعمل الاستعمار وأذنابه، وهي الانحراف بأوسع معانيه، والإفساد في الأرض.

(1) عيون البصائر، ص: 117، وجريدة البصائر، ع:108 (20/ 02/1950م).

٤٣٠ / ٤٩٤