السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٣١

مع ملاحظة أنَّ لفظة "الوحي بمختلف مشتقَّاتها تردَّدت كثيراً في كتابات محمد البشير الإبراهيمي، حتى غدت أَحدَ مفاتيح شخصيته وقد قال "بودلير BAUDELAIRE (1821 - 1867): " يقول أحد النَّقاد إنَّنا لكي نكشف عن روح شاعر ما، أو على الأقَّل عن شواغله العظمى، علينا أن نبحث في أعماله عن أكثر الكلمات دورانًا، فهذه الكلمات هي التي تبوح بهواجسه الملحَّة"(1). ومحمد البشير الإبراهيمي يصرُّ دائمًا على وصف الاستعمار بما توحي به لفظة "الوحي" الواردة في سياق هذا النص، بأنَّه رجس من عمل الشيطان، بل هو الشيطان نفسه(2). كما يصفه بأنَّه حيوان الأساطير وهيكل حيواني يمشي على أربع(3).

أمَّا "محمود بوزوزو" فيظهر تعلُّقه الكبير بالحرية فيصرُّ على المطالبة بها، خاصة بعد أن خطب رئيس الجمهورية الفرنسية، وأكَّد على أنَّ فرنسا بلد يدعو إلى تحرير الشعوب، بينما يعطي عساكره وجنوده وشرطته الدليل على صدق هذه الدعوى (تعريضًا) بالزيادة في قمع الشعب، وتسليط أشدِّ العذاب عليه، والتضييق على حريِّته، فكتب يقول: … "وإذَّاك تستطيع أن تصفِّق بكلِّ جهدك حين تسمع خطيبا فرنسيًّا رسميًّا ينوِّه بالحرية … وأن تحفظ كلَّ كلمة تقرؤها في الصحف الفرنسية الرسمية عن الحرية، ولكن حذار أن تهتف بالحرية، حذار أن تكتب عن الحرية، حذار أن تشارك في مظاهرة للحرية، ولو في عيد الحرية، فالواقع الأليم يحذِّرك هذا التحذير، ويزيل عنك ما أصابك من التخدير بما تسمعه وتقرؤه عن الحرية والتحرير، إذ تتعرَّض لما تعرَّض له أمثالك من الهائمين المخدَّرين الذين قاموا يشاركون يوم 14 يوليو 1953م في عيد الحرية في باريس" …(4)

تكرَّرت لفظة "الحرية" في الفقرة ثماني مرَّات، وهو ما يدلُّ على تعلُّق الكاتب بها، رغم دعوته لعدم التلفُّظ بها والتفكير فيها؛ سخرية وتهكما من المفارقة

(1) الأسلوبية … ص: 49.

(2) ينظر مثلا عيون البصائر، ص: 30، 86، 395، 409 ..

(3) ينظر مثلاً المصدر السابق، ص: 77، 84، 395، 575 …

(4) محمود بوزوزو، "مأساة الحرية في بلاد الحرية"، جريدة المنار، ع:46 (24/ 07/1953م).

٤٣١ / ٤٩٤