السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٣٦

هذا نموذج من الترَّهات التي تخرج من مجال السخرية والتهكم الفنيين إلى باب المهاترات والولوغ في الأعراض، ممَّا هو موجود بكثرة في أدب الطرقيِّين. وهذا دليل على الإفلاس من الحجَّة، وتقرير لحال السقوط والاندحار والتدني.

وفي مقال آخر بعنوان "سلاح البندير … وأعمال البشير"(1) تعرَّض فيه صاحبه المناوئ لجمعية العلماء ومحمد البشير الإبراهيمي. اعتمد فيه على العنعنة الساخرة الجارحة، والكلمات التشهيرية البذيئة، وبذلك كشف عن إسفافه في الكتابة، وسقوطه في أسلوب المواجهة.

وممَّا يندرج في هذا المجال أسلوبُ التعيير، الذي يلجأ إليه الأدباء حين يشعرون بتضايقهم من بعض الناس المناوئين لهم، ولا يجدون الأسلوب المناسب لإقناعهم بالابتعاد عنهم بالتي هي أحسن، أو حين يعجزون عن هزمهم، أو حين يتمادى هذا المناوئ في غيِّه وفي ضلاله، فلا يجد الكاتب إلاَّ وسيلة الهجاء المقذع والتقريع، والرمي بألفاظ محرقة كالشظايا، وكلمات جارحة كسياط العذاب … التي تجمعها صفة التعيير والتشهير.

قال محمد البشير الإبراهيمي معيِّرًا محمد السعيد الزاهري مخاطبا إيَّاه: " … أتذكر يا شيخ ماضيك الصحافي وصحائفك الماضية، التي تهاوت في مثل عمر الزهر من "الجزائر" إلى "البرق" إلى "الوفاق"، وقد ماتت كلُّها بالهزل والتسمُّم!؟ ولو كانت ممَّا ينفع الناس لمكثت في الأرض! فاحتفظ بما بقي من أعدادها فسيحتاج الناس إلى ما فيها يوم يكنس الله طبائعهم، ويطمس على بصائرهم، فيصبح السب والكذب عندهم من الفنون الجميلة، فيشيِّدون المعاهد العالية لتعلمها، ويقتبسون النماذج الرفيعة من تلك الجرائد، أتذكر يوم ضاقت بك الحيل فعرضت همَّتك وذمَّتك وقلمك في المزاد العلني، فكنَّا أزهد المشترين فيه! كن شريفا ولو لحظة من عمرك، واعترف بهذه الحقيقة! "(2).

(1) ينظر جريدة الشعلة، ع: 34 (17/ 08/1950م).

(2) عيون البصائر، ص: 635، 636. وجريدة البصائر، ع:61 (27/ 12/1948م).

٤٣٦ / ٤٩٤