السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٣٧

بقية المقال كلِّه على هذه الشاكلة من التعيير والتشهير: فيه الهجاء المقذع، والتبكيت، وفيه التحقير والاستهزاء، بما هو خارج عن المتعارف عليه في المناقشة والمنازلة الأدبية. وبهذا الأسلوب يكون الكاتب قد خرج عن دائرة السخرية والتهكم وإن كان قد قصدهما.

بالرغم من اعترافنا بسقوط هذا النص فنيًّا بسبب الأسلوب الذي كتب به، إلاَّ أنَّنا لا نوافق الدكتور عبد المالك مرتاض في قوله: "إنَّنا لا نتمثَّل أسلوب الإبراهيمي في الجدال والنقاش إلاَّ هجاء بحتًا، بل تأنيبا وتقريعا ولوما وتوبيخا ألذع من الهجاء لفظا، وأشدَّ منه وقعا"(1)، إذ أنَّ هذا الحكم لا ينطبق إلاَّ على بعض كتاباته، بينما أغلب كتاباته الساخرة كانت تمتزج فيها شخصيته العلمية بشخصيته الأدبية، الأولى تمدُّه بالمعارف المختلفة التي يتوفَّر عليها الشيخ، والثانية تسعفه بالأدوات الفنية التي تتيح له تكوين عجينة من السخرية؛ ليتهكم من الفكرة أو الشخصية. وله في باب الجدال والنقاش مقالات كثيرة ناظر ونازل فيها الطرقيِّين والاستعمار والحكومة الفرنسية ومناوئيه، ومناهضي الحركة الإصلاحية، وحاججهم محاججة منطقية ساخرة هادفة(2).

هذه نماذج من النصوص التي التجأ فيها الأدباء إلى الكلمات البذيئة والمضمون السخيف لهدف السخرية من خصومهم، والاستخفاف من شخصيَّاتهم والتندُّر بأعمالهم، والتفكُّه بأفكارهم بأية وسيلة مهما تكن، وكانوا بذلك قد ابتعدوا عن أسلوب السخرية والتهكم معنويًّا وفنيًّا، وأضرُّوا بالتجربة الأدبية. لذا فنحن مع من يرى: "أنَّ الإغراق في الإيلام، والإسراف في تضخيم السخرية يفقدها وقعها ومضمونها الإنساني في معظم الأحيان، كما أنَّه يعكس ويقلب الأدوار فيها، فبدلا من أن يسخر الناس مع الساخر من الضحية، فأنَّهم ينقلبون

(1) فنون النثر الأدبي في الجزائر، ص: 377.

(2) ينظر مثلا عيون البصائر، ص: 157، 158، 165، 382، 383. وآثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص: 41 - 49 وما بعدها. وص: 52، 53. وآثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ص: 9، 10. بالإضافة إلى ما عرضناه في ثنايا البحث من نصوص.

٤٣٧ / ٤٩٤