السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٣٩مسحة التفكُّه بارزة في النص، حتىَّ ولو كان ذلك إشادة بشجاعة إبراهيم غرَّافة وقوَّة بأسه. والدجاجة الخوَّافة إشارة إلى شخص معيَّن كان ضحية وطنية غرَّافة.
وقد تمتزج الرغبة في التفكُّه بالحرص على أداء رسالة، أو القيام بنشر فكرة أو بثِّ مشاعر، إلاَّ أنَّ الطابع الغالب على النص يبقى التفكُّه والتندُّر، كشأن كثير من كتابات محمد السعيد الزاهري عن الطرقية، الذي يحرص دائما على الكشف عن حقيقتهم والتعريض بأعمالهم ومعتقداتهم؛ فيخزهم ويوجعهم حتىَّ يجعلهم عرضة لاستهزاء المستهزئين، وضحك العابثين.
كتب تحت عنوان:" إفلاس" "أسرف ولد من أولاد الزوايا على نفسه حتى أفلس، ساءت حاله، ولم يبق له أثاث في داره يبيعه، وينفق ثمنه في ضروريَّاته غير مصحف قرآن شريف، مخطوط باليد، فلزَّته الحاجة أن يبيعه، فجعل يطوف على معارفه وأصدقائه، يعرض عليهم المصحف، ويحثُّهم على شرائه بقوله: إنََّ هذا المصحف بخطِّ يد المؤلِّف نفسه، يعني بخطِّ يد الله، أستغفر الله! ما أقبح الجهل والإفلاس بالرجل"(1).
اخترع الكاتب هذه القصَّة ليتفكَّه بالطرقية الذين تضايق منهم كثيرًا. كما كتب عنهم تحت عنوان "جناية اللحية ": " أعرف فقيرًا عليويًّا لحيته طويلة طبعًا، خطب فتاة آنسة إلى أبيها، فأنكحه إيَّاها، فجهَّز الزوج جهاز الزواج، وتهيَّأ له، ولم يبق له دون البناء والدخول إلاَّ يومان وليلة، حتى جاءه من خطيبته كتاب، تقول فيه: خطيبي فلان، سلام عليكم لا نبتغي الملتحين أمَّا بعد، فلا تطمع أن يكون لك من سبيل إليَّ ما لم تحكِّم الموسى في لحيتك، ثمَّ ختمت له الكتاب بقول ابن الرومي:
إن تطل لحية عليك وتعرض … فالمخالي معروفة للحمير
خلق الله فوق خدِّك مخلا … ةً، ولكنَّها بغير شعير
ولمَّا قرأ الكتاب بكى حتى تبلَّلت لحيته، التي هان عليه أن يفرِّط في الخطيبة دون أن يفرِّط فيها"(2).