السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٤٠يتفكَّه الكاتب هنا، وفي الوقت نفسه يشير إلى رذيلة التدجيل والاستغلال؛ لأنََّ اللحية عنده ترمز إلى الخيانة والتدجيل في كثير من المواقف. وما الإتيان ببيتي ابن الرومي لتذييل كلام الخطيبة إلاَّ دليل على ذلك القصد إلى التفكُّه مع التعريض.
أمَّا محمد البشير الإبراهيمي فكتب عن رحلته إلى باكستان، وعن مشكلته مع اللغة التي واجهته(1) في هذا البلد. إذ كان لا يحسن إلاَّ اللغة العربية، وأهل باكستان لا يتكلَّمونها. فكتب متفكِّهًا متندِّرًا بما حدث له مع مخاطبيه ومستقبليه وزائريه: "أبت همَّتي أن أجمع بين الجهل والعجز، فتعلَّمت في بعض يوم ألْزَمَ ما يلزمني للضَّروريات، وأهمُّها -عندي- طلب الماء البارد في ثلاث كلمات: طاندة، باني، لاو. الأولى معناها بارد … والثانية معناها الماء، والثالثة معناها هات … ومن اللطائف أنََّ أستاذي في هذه الجملة هو ولدنا الفضيل(2)، حلَّ به ما حلَّ بي، فحفظ ثمانين كلمة من الأوردية، فألَّف منها قاموسًا غير محيط. فتح الله عليه فأصبح معلِّمًا لتلميذ واحد هو أنا، ثم حفظت زياده عن شيخي ثلاث كلمات ضرورية وهي (أو) ومعناها تعال، و (جاو) ومعناها اذهب، و (جالدي) ومعناها أسرع، وأسعفتني الذاكرة بكلمة تركية، حفظتها قديماً، ووجدتها هنا، وهي (نماز) ومعناها الصلاة، وحفظت (روطي) ومعناها الخبز (ونماك) ومعناها الملح. ومن حصل الصلاة والماء البارد والعيش والملح فقد فاز فوزًا عظيمًا. وحفظت (بهوت) ومعناها كثير و (إمروز) بكسر الهمزة ومعناها اليوم … وحفظت رقم غرفتي بالأنكليزية وهو: وان، تو، فايف، يعني: مائة وخمسة وعشرين، فأصبحت في أنسٍ واطمئنان ولُذْتُ فيما عدا ذلك بالسكوت. فإذا دخل عليَّ زائرٌ، ولم يكن مترجم، حيَّا ورددت، وبشَّ وبششت، ثمََّ انقلبت سلكاً أفرغ من شحنته، فلا سلب ولا إيجاب. ولكي أدفع عَنَتَ التليفون إذا خلوت حفظت جملة بالإنكليزية معناها لا أتكلَّم الإنكليزية لا أتكلم الأوردية"(3).
(1) ينظر جريدة البصائر الثانية، ع:198 (04/ 08/1952م).
(2) حسنين الفضيل بن محمد السعيد الوارتلاني (1900 - 1959م)، أحد رجال الحركة الإصلاحية الجزائرية، سياسي وخطيب، تجوَّل كثيرا في أقطار العالم للتعريف بالجزائر وقضيَّتها. ممثل جمعية العلماء في القاهرة، توفي في استنبول. من آثاره: الجزائر الثائرة.
(3) آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج4، ص: 34، 35.