السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٤١القصد إلى التفكُّه والتندُّر بارز في النص، إذ فيه إشباع رغبة ملحَّة في إخراج ما في القلب من مشاعر الأسف على التقصير في تعلُّم ما يجب تعلُّمه. من ذلك إتقان بعض اللغات، لأنَّ الافتقار منها يسبِّب قصورًا في إيجاد وسيلة الاتِّصال، وأسباب التواصل مع المحيط. يترجم ذلك قوله: " أبت لي همَّتي أن أجمع بين الجهل والعجز، فتعلَّمت … " وقوله: "فانقلبت سلكاً أفرغ من شحنته، فلا سلب ولا إيجاب". وفي هذا التفكُّه إشارة إلى وجوب حذق أمور أساسية في حياة الفرد المسلم حيثما وكيفما يكون، كقوله: "ومن حصل الصلاة والماء والعيش والملح، فقد فاز فوزًا عظيمًا".
هذه إشارات قدَّمها الكاتب للقارئ في ثوب فكه طريف ظريف، يزيل عن القارئ السأم والملل. وفي الوقت نفسه يجذبه إليه فيملي عليه ما يريد، وهذا ما عناه د. محمد ناصر حين قال: إنَّ الشيخ البشير الإبراهيمي يشيع في كتاباته روحًا فكهة "تجذب القارئ أو السامع؛ لأنَّ اللهو والسخر يخرجان اللفظة عن جمودها وصرامتها، ويفتقان أكمامها، ويبعثان فيها الحركة، وهو بذلك يذكِّرنا بأدب الجاحظ"(1).
وفي أرجوزته "رواية الثلاثة"(2) داعب فيها ثلاثة من أبنائه الأدباء، الذين كانت لهم مشاركة كبيرة في الحركة الإصلاحية، وفي مجال التعليم بخاصة(3).
شعر الشاعر بأنَّ هؤلاء الأبناء قصَّروا في حقِّه (حقِّ أبيهم الروحي) الذي كان يأْبُوهم ويحبُوهم(4) وكان يعاملهم معاملة خاصة: رعاية وتثقيفا ومداعبة … وهم أنفسهم كانوا يشعرون بهذا، لكن لما طرأ حادث(5) فرَّق بينه وبينهم، تقاعسوا عن أداء واجب الوفاء لصاحب الأفضال ولو بالمراسلة، إذ نسوه، وقد شعروا بهذا التقصير: … "فألقى الشيطان على لسان الشيخ، أو ألقى هو على لسان الشيطان
(1) الشيخ محمد البشير الإبراهيمي من خلال نثره الفني، ص: 23.
(2) علَّق عليها وشرح بعض مسائلها الأستاذ الجيلالي بن محمد الفارسي.
(3) هؤلاء الأبناء هم: الشيخ سعيد بن حافظ، مدير مدرسة التربية والتعليم الحر بقسنطينة، وعبد الحفيظ الجنان، ومحمد بن العابد الجلالي معلِّمان بالمدرسة.
(4) يأبوهم: يعاملهم معاملة الأب لأبنائه. يحبوهم: يعطيهم.
(5) هو حادث نفي الشيخ الإبراهيمي إلى مدينة "أفلو" (جنوب الجزائر) أثناء الحرب العالمية الثانية.