السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٤٢هذه الأرجوزة الطويلة ونحل كلَّ واحد من الثلاثة ما يستحقُّه من فصول ومعانٍ في صور مجالس، يتجاذبون فيها أطراف الحديث عن هذه الزلَّة التي ارتكبوها … نظم الشيخ هذه الرواية، وتخيَّل معانيها في أوقات متضاربة، كانت الوحشة والملل ألزم صفاتها، فجعلها مذبَّة للوحشة ومجلبة للأنس، وأداة للتسلية"(1).
القصد إلى التفكُّه والمداعبة بارز في هذه الأرجوزة من خلال تصريح الشاعر بذلك. فقد شعر بالوحشة في منفاه؛ بسبب الابتعاد عن مجال النشاط، والإبعاد عن الأصدقاء والخلاَّن، وتقاعس الأبناء عن المراسلة. فكان لابدَّ من دفع هذا الملل إلى عن نفسه بالتفكيه عنها والتنفيس عن قلبه بهذه المداعبة الطريفة الظريفة. وإن كانت المداعبة والأفكوهة لم تخل من فوائد علمية، وبخاصة في مجالَي اللغة والأدب، ولم تنعدم منها العبر والدروس(2).
الفكرة التي بنيت عليها الرواية طريفة، إذ تمحورت حول الفرنك اللعين، الذي منع هؤلاء المعلمين الثلاثة عن مراسلة الشيخ، المتمثِّل في قيمة طابع البريد الذي عجزوا عن دفع ثمنه. صوَّر الشاعر تألُّمهم النفساني، ووخز ضمائرهم، بسبب هذا التقاعس عن الكتابة وانتصاب الفرنك اللعين؛ ليمنعهم من التعبير عن عواطفهم النبيلة نحو شيخهم.
تفنَّن الشاعر في التفكه والدعابة، فتخيَّل عبث الفرنك بعقول الثلاثة، وتفكيرهم في كيفية التصرُّف مع الوضع، وفضِّ مشكلة دفع قيمته، والقيام بواجب الوفاء نحو الشيخ، والإسراع إلى مراسلته، فكان الاستدعاء لعقد اجتماعات وجلسات للبثِّ في الأمر، وكثرت المناقشات وتعدَّدتت الاقتراحات، وكان الإبرام والنقض.
وقد ظهرت في هذه التحركات والحركات: "مخايل من تنطُّع الإداريِّين وغطرسة المديرين وسخافة المعلِّمين … " وبرزت الأنانية والمشاحنات كل ذلك للوصول إلى حلٍّ وهو دفع قيمة طابع البريد حتى يقوم الثلاثة بواجب المراسلة. على