السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٥٠

في الجزائر. وقد نزل هذا الأدب إلى حياة الشعب، وصوَّر تناقضات العصر ومفارقات الناس، ممَّا يدلُّ على ارتباطه بواقعه وبيئته. وبذلك يكون شاهدا على الأوضاع المتردِّية التي كانت تعيشها الجزائر، أي كان الأدب الساخر صدى لما كان يعجُّ في المجتمع. ومن ثمََّ فهو يؤرِّخ لحقبة تاريخية مهمَّة مرَّت بها الجزائر.

نشير هنا إلى أنَّ الأدباء ولو لم يقدِّموا - أحيانا بواسطة السخرية- حلولاً لبعض ما انتقدوه، واكتفوا بالإشارة والرمز والتعريض، وما إلى ذلك من الأساليب والصيغ التي تتماشى مع أسلوب السخرية والتهكُّم، فإنَّهم كانوا يهدفون إلى إثارة المتلقِّي والمخاطب، وتحسيسه بالوضع، وفي الوقت نفسه الهمس والتلميح له بالنهوض للعمل على التغيير والإصلاح. والساخر -كما يقول الدارسون- ليس مطالبًا بتقديم حلول لمشكلات الحياة؛ بقدر ما هو معنيٌّ بأن تكون له فكرة عن الحياة بخيرها وشرِّها، وعن تطوُّراتها وانعكاساتها، ثمَّ إشعار المتلقِّي بذلك.

ثالثًا: كانت بعض الموضوعات أكثر استئثارًا باهتمام الأدباء، وأكثر حضورًا في أدبهم الساخر من غيرها كموضوع الاستعمار، الذي شغل حيِّزًا كبيرًا في كتابات الأدباء، فقد سخروا منه وبممارساته ومناوراته. كما تفنَّنوا في الكشف عن كلِّ ذلك. وقد برز في هذا المجال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذي سخَّر موهبته في التهكم بالاستعمار وملاحقته ملاحقة شديدة.

ربَّما يرجع سبب هذه الكثافة في تناول موضوع الاستعمار إلى أنَّ الفترة المخصَّصة للبحث كانت تخصُّ مرحلة وجوده في الجزائر. وإلى كثرة جرائره وتعسُّفاته فيها.

كذلك حظيَ موضوع الطرقية بعناية كبيرة في المعالجة والتناول. وقد لحظنا كثرة النصوص التي تعرَّضت لهذا الموضوع، وتعدُّد الأساليب، وتنوُّع المعاني والأفكار التي حاولت التعريف بحقيقة الطرقية.

وقد كانت لهجة الأدباء عنيفة قاسية - في كثير من الأحيان- ممَّا جعلها - في بعض الأوقات - تسقط في حمأة السبِّ والشتم والبذاءة، كبعض كتابات محمد السعيد الزاهري، وبعض ما كتبه أدباء الطرقية.

٤٥٠ / ٤٩٤