السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٥١

كما ورَّطت هذه اللهجة العنيفة الأدباء في البقاء - أحياناً- في مناقشات هامشية، والانصراف إلى التعيير والإهانة والتحقير. ومحاولة التهكم بقلب الحقائق، وتزييف الوقائع، وتغليط الرأي العام، والهجوم على الشخص نفسه، لا بوصفه يمثِّل اتِّجاهًا معيَّنًا أو فكرة خاصة، وذلك حين تتحكَّم العواطف والأهواء في توجيه الفكرة، وتغذية الصراع. بصفة عامة فإنَّ الأدب الجزائري الساخر لم يخلُ من الكلمات البذيئة، ولم يسلم من المهاترات الكلامية، ممَّا يستحيي الإنسان من إيراده أحيانًا. وبذلك يكشف الأدباء عن انهزامهم النفسي، وعجزهم عن إيصال أفكارهم- بهذه الطريقة - ونقل مشاعرهم بصدق ووضوح، ومن ثمَّ يُخفقون في أسلوب السخرية.

لكن مع ذلك تبقى هذه النصوص مصوِّرة لواقع اشتدَّ فيه الصراع والخلافات، وطغى فيه الجمود، وكثر الانحراف، وتعقَّدت فيه الحياة. كما تشهد في الوقت نفسه على جهود المصلحين في مسيرة الجزائر النّهضوية.

رابعًا: غلبت على السخرية الروح الإسلامية في الكتابة والمعالجة، كما كانت في -معظمها- تتنفَّس في أجواء الأدب العربي القديم؛ من حيث الأساليب. أي كانت تستلهم التراث كثيرًا. قد يعود هذا إلى طبيعة تكوين الأدباء الدينية ونشأتهم الثقافية، التي كانت في عمومها لا تخرج عن تأثيرات الموروثات التراثية. وقد يكون ذلك تعبيرًا عن ردِّ فعل تجاه ممارسات الاستعمار، التي جعلت الأدباء يشعرون بالاغتراب في وطنهم، والابتعاد شيئًا فشيئًا عن أصالتهم ومقوِّماتهم، فأرادوا إنقاذ أنفسهم والأجيال من هذا الاستلاب بواسطة هذا الأسلوب في الكتابة.

خامسًا: السخرية كانت أكثر بروزًا في المقالة منها في بقية الأجناس الأدبية الأخرى. قد يعود ذلك إلى طواعية النثر لأسلوب السخرية أكثر من الفنون الأخرى. وقد يرجع إلى استجابة الأدباء التلقائية لما قرَّره بعض النقاد والدارسين في المقالة. وهو أنَّ نجاحها وفنيِّتها يتوقَّفان على ما يتوفَّر فيها من عنصر السخرية.

سادسًا: بعض الأدباء كانوا يحاولون كتابة أدب ساخر ليعبِّروا عمَّا يحسُّون، وفي الوقت نفسه ينفلتون من الرقابة المترصِّدة لكلِّ من يبوح بخلجات صدره؛ بما لا

٤٥١ / ٤٩٤