السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٦خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّنْ نِسَاءٍ عَسَى أَن يَّكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ … }(1) بل إنَّ القرآن قد أمدَّ الشعراء –بخاصَّة- بصُوَرٍ كثيرة من التهكم والسخرية من المنافقين والكفَّار والفجَّار والعصاة والسفهاء والمستهزئين والضالين عن سواء الصراط … وأوردَ السخريةَ بألفاظ مختلفة: كالهُزء والاستخفاف والضحك والسخرية … فلفظة الهُزء وردت في القرآن في أكثر من خمسة عشر موضعًا، ولفظة السخرية في أربعة عشر موضعا، ولفظة الضحك في أربعة مواضع، ولفظة الاستخفاف في الآية (54) من سورة الزخرف. كلُّ هذه الألفاظ تدور حول استهزاء الكفار بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أو بالأنبيَّاء السابقين، وإنذارهم بأوخم العواقب وأسوإ العقاب بسبب ذلك(2). إلاَّ أنَّ المعاني التي دارت حولها هذه الألفاظ الدالة على السخرية كانت أكثر من ذلك وممَّا ذكره نعمان طه.
ومن أمثلة ما اشتمل عليه القرآن من ألوان السخرية ما يأتي: فقد ذكر الله التهديد بلفظ التبشير وذلك في قوله: ﴿بَشِّرِ المْنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾(3) وذكر الإيعاد بلفظ الوعد في قوله: ﴿وَعَدَ اللهُ المنَافِقِينَ وَالمنَافِقَاتِ وَالكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ .. ﴾(4) وهدَّد متهكِّما في قوله: ﴿ … وَجَعَلَ للهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تمتَّع بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾(5) إلى غير ذلك من الآيات القرآنية، التي حفلت بالتصوير الساخر. وهو ما يؤكِّد جمالية أسلوب السخرية وفنِّيته وأصالته في الأدب العربي، ويثبت قيمته، ويدلُّ في الوقت نفسه على تطوُّر لفظة السخرية في دلالاتها، التي كانت تسعى إلى البناء والإصلاح والتغيير نحو الأحسن، ولم تكن للهدم، ولا كانت تدور حول عواطف ذاتية، أو تُعنىَ بإثارة ما يعيق بناء المجتمع وتماسكه، كما كانت عليه السخرية في العصر الجاهلي في عمومه.
(1) سورة الحجرات، الآية: 11.
(2) السخرية في الأدب العربي، ص: 70.
(3) سورة النساء، الآية: 138.
(4) سورة التوبة، الآية: 68.
(5) سورة الزمر، الآية: 8.