السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٧

نتيجة لهذه النظرة القرآنية للسخرية فإنَّها شاعت في أدب عصر صدر الإسلام، وأثبتت نجاعتها في تحقيق الهدف من انتصار الدعوة الإسلامية، ومعالجة القضايا، وفي التعبير عن الخلجات النفسية المختلفة. ومن دلائل التطور في أسلوب السخرية بروز قِيم جديدة في الشعر بخاصة، مثل الافتخار بالإسلام والاعتزاز بشمائله، والسخرية من الكفر والنفاق والرذائل، وظهور ما يسمَّى بالهجاء السياسي " فقد كان للإسلام صفة سياسية، تستهدف توحيد الجزيرة العربية إلى جانب صفته الدينية، وحينذاك كان العرب - بقصد تثبيت دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتمكين لها - يعظِّمون شأن من أبلى بلاء حسنا في الحروب دفاعا عن الدعوة"(1). ولهذا دخل الأدباء والشعراء بخاصة في مساجلات شعرية وأدبية (بين شعراء الإسلام وشعراء قريش). وقد تطوَّرت هذه المنافرات، وهذا التهكم مع مرور الأيام إلى نقائض، بلغت ذروتها في العصر الأموي. وقد اشتهر في هذا العصر (عصر صدر الإسلام) شاعران ساخران هما حسَّان بن ثابت والحطيئة. لكنَّ معظم شعرهما الساخر قد ضاع فيما ضاع من كنوز قيِّمة من الأدب العربي(2).

قال حسّان بن ثابت متهكَّما من قبيلة جذام:

لَعَمرُ أبي سُمية ما أُبالي … أنبَّ التيسُ أم نطَقت جُذامُ

إذا ما شاتُهُم وَلَدت تنادوْا … أجدْيٌ تحتَ شاتِكِ أم غُلامُ(3)

وقال الحطيئة (ت 59هـ/679م) ساخرًا من الزبرقان بن بدر:

دَعِ المَكَارِمَ لا تَرْحَلْ لبُغيَتِهَا واقعُد فإنَّك أنت الطَّاعِمُ الكاسيِ(4)

وقال مستهزئا بزوج أمِّه في عنف وثورة وهياج:

(1) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 71.

(2) ينظر السخرية في الأدب العربي، ص: 84.

(3) ديون حسَّان بن ثابت، مج1، تحقيق وتعليق د. وليد عرفات، دار صادر، بيروت، سنة 1964م، ص: 358.

(4) 1401هـ/1981م، ص: 108.

٤٧ / ٤٩٤