السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٨

لَحاكَ الله ثُمَّ لَحاكَ حقاًّ … أَباً، ولَحَاكَ من عمٍّ وخالِ

فَنعمَ الشيخُ أنتَ على المخازي … وَبِئْسَ الشيخُ أنتَ لدى المعالي

جَمَعتَ اللُّؤمَ - لا حيَّاك رَبِّي - … وأبوابَ السَّفاهَةَ والضلالِ(1)

كما سخر من أمِّه وعبث بها:

جزاك الله شَرًّا من عجوز … وَلقَّاك العُقُوقَ من البَنيناَ

تَنَحَّيْ فاجلِسي عَنَّا بعيداً … أراحَ اللهُ منكِ العالَميناَ

أغِربالاً إذا استُودِعتِ سرًّا … وكانوناً على المُتحدِّثينا

حياتُكِ - ما علمِتُ - حياةُ سوءٍ … وموتُكِ قد يسُّرُ الصَّالحينا(2)

ومن شعره الساخر هجاؤه بخيلاً، كاد أن يموت - أو هكذا صوَّره - لمَّا زاره الحطيئة، وقد ظنَّ أنه قصده يطلب منه حاجة:

كَدَحتُ بأظفاري وأعمَلتُ مِعولي … فصادَفتُ جُلموداً منَ الصَّخرِ أملساَ

تشاغَلَ لمَّا جِئتُ في وَجهِ حاجَتي … وأطرقَ حتىَّ قُلتُ قد ماتَ أو عسى

وأجمعْتُ أن أنعاهُ حينَ رأَيتهُ … يفوقُ فُواقَ الموتِ حتىَّ تنفَّساَ

فقلتُ لهُ لا بأسَ لستُ بعائدٍ … فأفرخَ تعلوهُ السماديرُ(3) مُبلِساً(4)

يقول محمد بلقراد: "سُخر المرء من نفسه والتهكم بها أسلوب ابتكره الحطيئة، ويعدُّ فناًّ جديدا، لم يعهد له نظير في الشعر العربي الجاهلي، ويعدُّ هذا النوع من الشعر مضحكا لغرابته، وخروجه عن المألوف، لأنَّ الإنسان عادة مطبوع على أن ينظر إلى نفسه بعين الرضا."(5) هذا من بين مظاهر التطوُّر التي شهدتها السخرية إلى جانب اعتماد الأسلوب القصصي الذي قدَّم به الشاعر تهكمه في المثال السابق.

(1) م. س، ص: 269.

(2) م. س، ص: 123.

(3) ديوان الحطيئة، رواية ابن حبيب عن ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني، شرح أبي سعيد السكري، دار صادر، بيروت، سنة ادير ما يتراءى للإنسان عند السكر.

(4) ديوان الحطيئة، ص: 262.

(5) الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 255.

٤٨ / ٤٩٤