السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥١

5 - إنّ أدب هذا العصرلم يخل من مزاح وفكاهة من أجل التفكه، كما عرف عن الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة. روي عن رسول الله أنَّه: " أتته عجوز أنصارية فقالت: يا رسول الله أدعُ لي بالمغفرة، فقال لها: أما علمت أنَّ الجنّة لا يدخلها العُجُزُ. فصرخت، فتبسَّم - صلى الله عليه وسلم - وقال لها: أما قرأت ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾(1) "ونظر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أعرابيٍّ قد صلَّى صلاة خفيفة، فلما قضاها قال: اللهم زوِّجني بالحور العين، فقال عمر: يا هذا! أسأت النقد وأعظمت الخِطبة".

وممَّن اشتهر بالمزاح الصحابي نعيمان، أحد المقرَّبين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. من مزاحاته أنَّه أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرَّة عسل اشتراها من أعرابيٍّ، فأتى بالأعرابيٍّ إلى باب النبي، فقال: خذ الثمن من هاهنا، فلمَّا قسَّمها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نادى الأعرابيُّ: ألا أُعطَى ثمن عسلي؟ فقال النبيُّ: هذه إحدى هنات نعيمان. وسأل لمَ فعلت هذا؟ فقال: أردت برَّكَ يا رسول الله، ولم يكن معي شيء، فتبسَّم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأعطى الأعرابيَّ حقَّه"(2).

نؤكد - في الختام - ما أشار إليه الدكتور نعمان محمد أمين طه: بأنَّ حكمنا على السخرية في عصر النبوّة وصدر الإسلام يبقى حكما ناقصا؛ بسبب ضياع كثير من الآثار الأدبية التي عرفت في تلك الفترة لسبب أو لآخر(3).

3 - في العصر الأموي:

إذا انتقلنا إلى العصر الأموي فإنَّنا نجد ظروفًا استجدَّت، طبعت السخرية بطابع خاص، وأفرزت أدبا متميِّزا بمميِّزات خاصة. فقد أصبح الملك عضودًا، بعد ما كان شورى بين المسلمين أيَّام الخلافة الرشيدة. نتج عن ذلك خوض في السياسة وموضوع الخلافة، أدَّى إلى التحيُّز إلى آراء معيَّنة، فتكوَّنت الأحزاب، التي

(1) سورة الواقعة، الآيات: 35، 36، 37.

(2) ينظر هذه الفكاهات نهاية الأرب في فنون الأدب، السفر الرابع، ص: 3، 4.

(3) ينظر السخرية في الأدب العربي، ص: 64 وما بعدها.

٥١ / ٤٩٤