السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٢اعتنقت وتبنَّت آراء ومواقف متباينة. اشترك الشعر والأدب في كلِّ ذلك، وانتصر كلُّ شاعر وأديب للرَّأي الذي يناسبه، ودخل الأدباء في منافرات أدبية، فنتج عن ذلك تهكم سياسي. وقد عرف الشام تهكما سياسيّا أكثر من المناطق الأخرى، لما عاناه من الظلم الاجتماعي.
تطوَّر هذا اللون بتطوُّر الحياة السياسية والحياة الأدبية، واتِّساع قائمة من دخل في هذا المعترك السياسي من الأدباء والشعراء. وقد تطوَّر حتى غدا نقائض كاملة، بعد أن أصبح الهجاء قاعدة التهكم السياسي الأساسية، وهو ما أتاح له الفرصة كي يوثَّق صلته بالفكاهة أكثر. كما اتَّسعت الحضارة والعمران - في هذا العصر- مما وفَّر المال والجدة والفراغ في الوقت، وسمح بإشباع الملذَّات.
وقد كان الحجاز أسبق إلى التطوُّر في فنون الطرب والغناء، والحياة الاجتماعية بعامة، التي كانت متَّسمة بالعبث واللهو، وذلك نتيجة الثورات والفتوحات،(1) وما حملته من أفكار ونظرات، وما جلبته من أجناس وأشكال من الناس إلى المجتمع الإسلامي، ثمَّ "ما أغدقه الأمويُّون من أموال على الأمراء الهاشميِّين؛ لصرفهم عن التطلُّع إلى الخلافة، فانصرفوا إلى الجانب المادي من الحضارة، ونشأت طائفة تحترف الفكاهة، تُدعى إلى منازل السراة والأغنياء كأداة من أدوات الترف ومظهر من مظاهر السراوة"(2). لهذا فإنَّ جانبا مهمًّا ممَّا كتب من أدب السخرية في هذا العصر كان للتفكُّه والتسلية والدغدغة الفكرية، وإزجاء وقت الفراغ، كما عرف عن أشعب والغاضري.
إلى جانب ذلك عرف العراق تهكما من النوع الذي ساد في المجتمع القبلي، وهو النَّقائض. يقول الدكتور شوقي ضيف: إنَّه "حين استقرَّت القبائل في مدينتي
(1) يقول الأستاذ فتحي أبو عيسى: "إنَّ أسلوب الحياة قد تغيَّر، وبخاصَّة في أيَّام عثمان بن عفان وما بعدها، حتَّى أواخر القرن الأوَّل للهجرة، وكان لابدَّ أن تظهر معالم جديدة، من عكوف على الغناء، وغرق في اللهو، واستسلام للصَّبابة … " الفكاهة في الأدب العربي، ص: 77.
(2) أدب الفكاهة عند الجاحظ، ص: 42.