السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥٣

البصرة والكوفة، وعادت العصبيَّات جذعة، رأينا هذه القبائل تجتمع وتحتشد في المربد والكُناسة حول الشعراء، يستمعون منهم إلى ما ينشدونه في الهجاء، وكأنَّما وجدوا في ذلك لهواً وتسلية، حينئذ تحوَّل فن الهجاء من فن وقتي منقطع إلى فنٍّ دائم مستمرٍّ يحترفه الشاعر … "(1).

يُعدُّ هذا تطوُّرًا في الهجاء الساخر- وفي الغاية منه - عمَّا كان عليه في الجاهلية على الأقلِّ؛ إذ " تحوَّل الغرض الأساسي من الهجاء إلى الرَّغبة في إعجاب الجماهير من النظَّارة المتفرِّجين .. "(2) وقد كانت هذه النقائض تمثِّل وسيلة من وسائل التسلية والتفكُّه والهزل وملء أوقات الفراغ، أكثرمما تمثِّل عدائية ومعارضة، مبعثها ودافعها الحقد والضغينة(3).

فإذا كانت السخرية قد تطوَّرت نوعا ما في هذا العصر، فإنَّ الدارسين لحظوا أن التهكم الاجتماعي لم يتطوّر كثيرا؛ لأنَّ العادات العربية لم تتغيَّر كثيرا عمَّا كانت عليه من قبل. وكلُّ ما عرف في أدب ساخر في هذا الجانب هو ما كان نقدا للحكَّام لغرقهم في الإسراف مع الأثرياء، واستحواذهم على أسباب الحياة المترفة، وحرمانهم بقية الشعب من أبسط حقوقه(4). إلاَّ أنَّ بعض الناس الذين تسلسل في أسرهم الظلم الاجتماعي لضعة نسبهم، أو لعيوب خَلقية فيهم، وجدت في هذا العصر المتميِّز بالتحرُّر النسبي من القيود والانطلاق من الحواجز والسدود(5)، وجدت فرصتها للثأر لنفسها من ظروف هذه البيئة، فانفجرت كالبركان، يرسل حممه المحرقة في أجسام هؤلاء المستكبرين، كما حدث لجرير الذي: "شحن بالآلام منذ قديم الزمان، ثم انعكست عليه آلام مجتمعه البدوي ثم الحضري، الذي عاش فيه، فكانت أخيرا عود

(1) الدكتور شوقي ضيف، التطور والتجديد في الشعر الأموي، ط7،دار المعارف، القاهرة، سنة 1981م، ص: 163.

(2) الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 135.

(3) ينظر التطوُّر والتجديد في الشعر الأموي، ص: 179 وما بعدها. وأدب الفكاهة عند الجاحظ، ص: 42، 43. والفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 136.

(4) أدب الفكاهة عند الجاحظ، ص: 41، 42.

(5) ينظر الفكاهة في الأدب العربي، ص: 80.

٥٣ / ٤٩٤