السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٦بناته بثوبه وقال: بناتي بناتي! فقال أشعب ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَناَ فيِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيد﴾(1). "وقال الهيثم بن عديٍّ: لقيتُ أشعب فقلت له: كيف أهل زمانك هذا؟ قال: يسألونني عن أحاديث الملوك، ويعطونني عطاء العبيد.(2)
وممَّا يمتاز به أشعب ذكاء ماكر، وحيل بارعة، وفطنة حاضرة، تعينه على نيل بغيته. وتُروَى له في ذلك ملح وطرف ونوادر كثيرة. من ذلك. قيل أنه جلس " يوما إلى جانب مروان بن أبان بن عثمان، فانفلتت من مروان ريح لها صوت، فانصرف أشعب يوهم الناس أنَّه هو الذي خرجت منه الريح، فلمَّا انصرف مروان إلى منزله جاءه أشعب وقال له: الديَّة، قال: ديَّة ماذا؟ قال: ديَّة الضرطة التي تحمَّلتها عنك، وإلاَّ شهَّرتك، فلم يدَعْه حتى أخذ منه شيئا صالَحَه عليه"(3).
هكذا نلحظ أن السخرية والتهكم والفكاهة وجدت من العوامل ما يغذِّيها ويدفعها إلى التطوُّر في العصر الأموي، حتى غدت كلُّ مَنطِقة تختلف عن منطقة أخرى في حظِّها من الأدب، تبعا لما توفَّر لها من العوامل. وتمثِّل النقائض معلما بارزا من معالم هذا التطوُّر في الأدب العربي، وذلك بتوليد الشعراء معاني جديدة من خلال محاولة كلِّ شاعر نقض كلِّ معنى يأتي به خصمه، ومن خلال التنويع في الهجاء الساخر؛ ليحرز التهكم من ذلك كلِّه تطوُّرًا فنِّيا كان له أثره فيمن جاء بعدُ من الشعراء.
في الختام هذه ملاحظات أو تسجيل لبعض الخصائص التي تميَّزت بها السخرية في العصر الأموي:
1 - إن الطابع الغالب على الشعر الساخر هو التهكم السياسي. وقد لوحظ أن الشعراء كانوا يمزجون بين السخرية والمدح والسياسة، وقد كان الشعراء الثلاثة جرير والأخطل والفرزدق يبثُّون دعوة السلطة من خلال سخريتهم(4).
(1) سورة هود، الآية: 79. ينظر النادرة، نهاية الأرب في فنون الأدب، السفر الرابع، ص: 26.
(2) م. س، ص: 30.
(3) م. س، ص: 27، 28.
(4) شعر السخرية في العصر العباسي، ص: 49.