السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٨شعر بشار بن برد وأبي نواس مثلا. كما كان لعنصر الحرِّية بكل أبعادها ودلالاتها في المجالات المختلفة أثر في الحياة العامة، وقد سمحت هذه الحرِّية للأدباء والشعراء بالجهر بالكفر والزندقة والشك في الدين، وإظهار المجنون، والعبث والفسق … ممَّا أنتج لونا من السخرية الاجتماعية، التي كانت تقوم على النيل من المبادئ، التي أُسِّسَ عليها المجتمع، والتهكم ببعض ثوابته؛ بناءً على ما يفهمه كلُّ ساخر من الحياة التي ينبغي على الإنسان أن يحياها، وبما يستجيب لما يجب أن يحقِّقه من مآرب في ظلِّ الحرية، بعيداً عمَّا يفرضه الدين والعقل والمجتمع من قيود وحدود، توجِّه هذه الحرية، وتحدُّ هذه الفوضى.
من جهة أخرى فإنَّ كثيرا من الأدباء الساخرين في العصر العباسي عاشوا فقراء أو مشرَّدين، أو محرومين، أو مهمَّشين، أو ماجنين مستهترين، أو كانوا ممَّن أصيب بعاهات خَلْقيَّة، فاحتقرهم المجتمع وازدراهم، أو نزلت بهم مصائب، لازمتهم طويلا، أو عاشوا ظروفا صعبة … انعكس كلُّ ذلك على أدبهم، فأنتجوا أدباً ساخراً تهكمياً، نفَّسوا به عن أنفسهم، منتقمين من المجتمع، منتصرين لأنفسهم؛ ليفرضوا وجودهم، ولينزلوا المتكبِّرين والكبراء من عليائهم. يقول الأستاذ حسين العلاَّق عن أسباب شيوع السخرية في شعر الشعراء الكتاب الشاكِين في القرن الثالث الهجري، وميلهم إليها: إنَّ ذلك "لم يكن إلا مجرَّد صدى لما حفلت به حياتهم من آلام ومحن ومصائب … فالسخرية عند الشعراء الكتّاب المتألمين الشاكين (أداة دفاعية) لمواجهة ما في حياتهم من قسوة وحرمان وشقاء و (أداة تطهيرية) تبدِّد ما ترسَّب في أعماق نفوسهم من الهواجس الكئيبة، وتَعْتِقُها مما يُغِلُّها من قيود الفقر والحرمان"(1).
(1) حسين العلاَّق، "فن السخرية في شعر الكتّاب في العراق في القرن الثالث الهجري"، مجلة المورد، (بغداد) مج4، ع: 2، سنة 1975م، ص: 37.ولمعرفة أسباب شيوع السخرية في شعر الشعراء الكتّاب، ينظر المرجع نفسه، الصفحات: 35، 36،37. ولمزيد معرفة أسباب انتشار الفكاهة في العصر العبَّاسي، ينظر الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 171،172.