السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥٩

كلُّ هذه العناصر أسهمت في شيوع السخرية والتهكم والفكاهة في العصر العباسي وفي تطوُّرها. كانت السخرية إذن سمة من أبرز السمات في أدب العصر العباسي، نظرا إلى الظروف التي اكتنفت هذه الحياة من ترف وحرية ومجانة، أو فقر وحرمان وظلم وعسر … حتَّى إن الدارس لهذا الأدب ليقف على أسماء كثيرة لهؤلاء الساخرين والمتهكمين أمثال: بشار بن برد، وأبي نواس، حمَّاد عجرد، منصور الأصفهاني، ابن الرومي، أبي الطيِّب المتنبِّي، دعبل الخزاعي، أبي العلاء المعرِّي، الحمدوني، أبي الشمقمق، أبي دلامة، أبي علي البصير، الجاحظ، أبي العيناء، بديع الزمان الهمذاني، أبي غلالة المخزومي، ابن رزيق الكوفي، أبي حكيمة، وهب، ابن بسّام العبرتاني البغدادي، الخوارزمي، سهل بن هارون، ابن العميد، جحظة البرمكي، أبان اللاَّحقي … كما يجد الباحث نفسه أمام بيئات متميِّزة من أصناف الساخرين، الذين تركوا أدبا رفيعا في هذا المجال، فهناك بيئة اللغويين ورجال الدين، بيئة شعراء المجون، بيئة شعراء الحرمان، بيئة الكتَّاب …

ولتطوُّر الحياة في هذا العصر فإنَّ السخرية قد ظهرت في الأدب بأشكال، واتَّسمت بسمات خاصة، عكست التقدُّم الذي حصل في جوانب كثيرة من حياة الناس. ولم تفتأ تتوسَّع وتتعقَّد، وتتنوَّع مع مرور الزمن، حتىَّ أنتجت لنا هذه السخرية الراقية المتميِّزة عمَّا عرف عن العصر السابق. وفي هذا يقول الدكتور محمد بلقراد: " لمَّا كانت حضارة العصر العباسي لا سيَّما في المجتمع البغدادي أغنى ثقافة وأوسع أفقاً، وأكثر تعقُّداً وترفاً من حضارة العصر الأموي، كان الأدب الفكاهي في العصر العباسي أملح نكتة وأعمق معنى، وأعذب لغة وأبلغ أسلوبا وأوفر مادَّة منه في العصر الأموي"(1).

نتيجة لذلك تعدَّدت أنواع السخرية في هذا العصر؛ فمن سخرية جادَّة حزينة إلى السخرية الحكيمة، أو الحكمة الساخرة، وفيها يُتَّبَعُ أسلوبٌ فلسفيٌ ساخرٌ، كما عرف عن ابن المقفع، الذي استخدمه ليكون في السخرية والنصح في آن واحد. وهو

(1) الفكاهة والضحك في الأدب العربي، ص: 168.

٥٩ / ٤٩٤