السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٠يتناسب مع طبيعة ابن المقفع، الرجل العاقل المتَّزن الرزين، الذي تتجافى رزانته عن أساليب السخرية اللعوب الأخرى(1). وقد ظهر ذلك جليًّا في كتابه "كليلة ودمنة". إلى جانب الفكاهة اللطيفة المستملحة(2)، التي تجمع بين الضحك والإضحاك والتربية والنقد، مثل ما عرف عن الجاحظ في بعض سخرياته، كما جاءت في كتابيه "البخلاء" و"الحيوان"،ورسالته "التربيع والتدوير" و"رسالة صناعات القوَّاد". إلى سخرية قائمة على العقل، حيث تتدخَّل فيها الصنعة، ويُتصرَّف فيها باللجوء إلى أساليب المكر والحيلة، واستعمال الذكاء والخيال، لتحويل الشخص المسخور منه أو الشيء المقصود بالتفكُّه إلى أضحوكة، بعد أن يقع أثرها على نفس المتلقِّي لهذه الآثار الأدبية، وعلى نفس الذي يكون هدفا للتَّصوير والسخرية.
يقف الجاحظ في مقدَّمة هؤلاء الذين برعوا في هذا المجال. نلمس نماذج لهذه السخرية العقلية في كتابه "البخلاء" الذي ينقد فيه البخلاء "ويضحك منهم، ويعطف عليهم بطريقة نُحسُّ معها نوعاً من السيطرة العقلية والنفسية على هؤلاء الذين كأنهم بين يديه دمىً يحرِّكها ذات اليمين وذات الشِّمال، وهي منقادة، لا تملك من أمرها شيئا"(3). وقد برز الفكر الاعتزالي ومنهجه واضحا في صبغ السخرية بالصبغة العقلية - وهو جانب من جوانب التطوُّر في الأدب الساخر في العصر العباسي - ليتهكَّم من الناس ومن بعض تصرُّفاتهم التي ينكرها العقل. وقد كانوا يصدرون في هذه السخرية من إحساس بالتسامي العقلي، لكن دون الحقد على هؤلاء المسخور منهم أو التشفِّي منهم " فالتهكم المشوب بروح العطف حينا والفكاهة حينا آخر، هو الطابع الذي يمكن أن تتَّسم به الظَّاهرة عند المعتزلة"(4).
(1) السخرية في الأدب العربي، ص: 149.
(2) يرى الأستاذ فتحي أبو عيسى أنَّ الجاحظ هو الذي جعل الفكاهة شيئا ذا بال في الأدب العربي. ينظر الفكاهة في الأدب العربي، ص: 260.
(3) الدكتور عبد الحكيم بلبع، "أدب المعتزلة إلى نهاية القرن الرابع الهجري" ط2، دار نهضة مصر للطّباعة والنشر، الفجّالة، مصر، سنة 1969م، ص: 299.
(4) م. س، ص: 301. لمزيد من التفاصيل في مميِّزات السخرية في أدب المعتزلة، ينظر المرجع نفسه ص: 295 - 315.