السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦١ومن أنواع السخرية التي عرف بها العصر العباسي ما يقصد به إضحاك الناس بالعبث بالمهجوِّ أو المسخور منه، والتشهير به. بهذه الوسيلة يحاول الأديب حشد ما في وسعه ممَّا يتوفَّر له من معارف وإمكانات، ويعتمد في ذلك على الدقة والتجسيم والمبالغة، والكشف عن اختلاف المقاييس الاجتماعية. هذا الأسلوب يعرف بالتصوير "الكاريكاتوري"، وأشهر أقطابه ابن الرومي، ومنصور الأصفهاني وأبو العلاء المعرِّي …
قال ابن الرومي (221 – 283هـ) في وصف أحدب:
قَصُرَت أخادِعُهُ وطال قَذالُهُ … فكأنَّه متربّصٌ أن يُصفَعا
وكأنَّما صُفعت قفاه مرّة … وأحسَّ ثانية لها فتجمَّعا(1)
وقال بِشر بن هارون في وصف لحية موسى:
إنَّ أبا موسى لَه لحيةٌ … تدخُلُ في الجُحر بلا إذنِ
وصورةٌ في العين مثل القذى … ونغمة كالوقر في الأُذنِ
كم صفعةٍ صاحت إلى صافع … بالنَّعل من أخدَعِهِ: خُذني(2)
من دلائل تطوُّر الأدب الساخر في العصر العباسي أيضا كثرة الموضوعات التي كتب فيها كثير من الأدباء بأسلوب جيِّد كموضوع البخل الذي كتب فيه الجاحظ وابن سكرة، وقال فيه ابن الرومي:
يُقَتِّرُ عيسى على نفسه … وليس بِباقٍ ولا خالدِ
فلو يستطيع لتقتيره … تنَفَّس من منخر واحد(3)
(1) السخرية في أدب المازني، ص: 50.
(2) أبو حيّان التوحيدي، كتاب الإمتاع والمؤانسة، ج2، ضبطه وصحَّحه وشرح غريبه أحمد أمين وأحمد الزين، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، (ب، ت)، ص: 56.
(3) السخرية في أدب المازني، ص: 56.