السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٣لَكَ يا صَديقي بَغلَةٌ … لَيسَت تُساوي خَردَلَهْ
تمشي فَتَحسِبُها العُيُو … نُ على الطَّريقِ مُشَكَّلَهْ
وتُخال مُدْبرَةً إذا … ما أقبَلَتْ مُستَعجِلَهْ
مِقدارُ خطوَتِها الطَويـ … لَةِ حين تُسرعُ أُنْمُلهْ
تهتزُّ وهي مَكانَها … فكأَنَّما هيَ زَلزَلَهْ
أَشبَهتَها بل أشبَهَتْـ … ـكَ كأَنَّ بَينَكُما صِلَهْ
تحكي صِفاتِكَ في الثقا … لَةِ والمَهانَةِ والبَلهْ(1)
كما تفكَّه الشعراء كثيرًا بموضوع الفقر والحرمان، مثلما كتب جحطه البرمكي وأبو الشمقمق(2) إلى غير ذلك من الموضوعات الكثيرة.
ومن آيات تطوُّر السخرية في العصر العباسي أنَّ أسلوبها اقترب من أحاديث الناس في المعاني والألفاظ والصياغة، ممَّا أَضفَى عليها صبغة الأسلوب الشعبي البسيط(3). يقول الأستاذ فتحي أبو عيسى: "ومن مظاهر هذا التطوُّر ما نلمسه في اتّجاه الهجاء إلى شعبيَّته اللاَّذعة القارصة، وذلك اتِّجاه يقرِّبه إلى نفوس الجماهير، ويحبِّبه إليهم، فيكون الإيجاع به أدعى، والإيلام بواسطته أنكى … ولعلَّ من الشعراء المشاهير في ذلك أبان اللاحقي"(4).
إنَّ مؤشِّرات تطوَّر السخرية في العصر العباسي كثيرة وأعلام هذا اللون عديدون، يَصْعُبُ حصر كل ذلك، غير أنَّنا نشير إلى معلم بارز في الأدب العربي الساخر، ونذكر بعض مميِّزاته؛ لأنَّه تمكَّن بأدبه من التأثير في كثير من ألوان الأدب التي وجدت بعده، وحتَّى في بعض ما أنتجه بعض معاصريه. أنَّه الأديب الكبير "أبو
(1) ديوان بهاد الدين زهير، ص: 294.
(2) ينظر ابن عبد ربّه الأندلسي، العقد الفريد، ج6، ص: 215 وما بعدها. والأدب في موكب الحضارة الإسلامية، قسم الشعر، ص: 232 - 241.
(3) ينظر السخرية في الأدب العربي، ص: 112.
(4) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 130.