السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٤عثمان عمرو بن بحرالجاحظ" (159/ 255هـ) الذي كوَّن مدرسة حقيقية متميِّزة في هذا المجال، تخرَّج فيها كثير من الأدباء الساخرين عبر العصور. قد يساعدنا ذلك على إيجاد علاقة بين أدبه والأدب الجزائري في مجال السخرية.
يمزج الجاحظ في كتاباته بين الجدِّ والضحك والفكاهة، وبذلك فتح الطريق أمام الكتَّاب كي يمزجوا بدورهم الجدَّ بالهزل في تآليفهم؛ ليروِّحوا عن أنفسهم، ويزيلوا السأم عن قلوبهم ويطردوا الملل من نفوس قارئيهم. نلحظ ذلك في كتب ابن قتيبة، وبديع الزمان الهمذاني وأبي حيان التوحيدي والحصري، والنُّويري، وابن عبد ربِّه وابن زيدون وعبد العزيز البشري …
بل سمح أدب الجاحظ الساخر للبعض – وفي فترة لاحقة - أن يخصِّصوا فصولا في كتبهم للفكاهات ونوادر عن المجون، وضروب التهكم والسخرية، وبتقدّم الزمن أصبحنا نقرأ كتبا مستقلَّة للفكاهات والنوادر، كما فعل ابن الجوزي والأبشيهي والعاملي وغيرهم، كما أفردت رسائل ذات الموضوع الواحد في التهكم والفكاهة.(1)
يتميز الجاحظ بتحكُّمه في وسيلة السخرية في الكتابة، فهو يميِّز بين مواطن التلميح ومواقف التصريح. فقد نقل عنه الدارسون وقالوا: "فهو إما سَخَرَ بالمحدّثين والمفسِّرِين والمؤوِّلين والعلماء وأهل السلطان، دسَّ هذه السخرية دساًّ بارعاً، لا تكاد تراها إلاَّ إذا كنت مطبوعا على فعلها، جديرا بإدراك خفاياها، وإن أنت أدركتها على هذه الصورة، ألْفيتها قارصة لاذعة فيَّاضة بمعاني التهكم الخفيِّ. وهو إمَّا سَخَرَ بالثقلاء والسخفاء والحمقى، لا يكتفي بالتعريض، بل يميل إلى إظهار الاستهزاء والتهكم، على أن يحصِّن نفسه بنطاق من الذوق السليم في إخراج تهكمه الموجع. ويزداد سخر الجاحظ إيلامًا، إذا كان تشفِّياً من سخف أو انتقاماً لقيمة مهدورة، ويخف في غير هذا المقام"(2).
(1) ينظر كتاب التهكم في أدب الجاحظ، ص: 4، 5.
(2) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 260. نقلا عن مجلَّة العربي، ع:12، س1، ص: 114، 115.