السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٧هذا التدهور والتخلف انعكس على السخرية، فلم يبقَ ذلك الأدب الذي عرف في العصر العباسي في القوَّة والمتانة والسموِّ: أساليبَ وتراكيبَ وصياغةً وصوراً … بل السخرية كانت -أحيانا- بسيطة ساذَجة، تكتفي بعرض الحالات التعسة، التي يعيشها الشعب نتيجة ظلم الحكَّام وطغيان المسؤولين. وقد اشتهر في هذا المجالي: البوصيري، السراج الورَّاق، الحمامي، ابن سودون، ابن الصائغ، ابن دنيال، يوسف الشربيني وأبو الحسين يحي الجزَّار. وقد عُنيت السخرية في هذا العصر بنقد المواقف كسخرية الأديب من نفسه وشكله وظروفه الاجتماعية، ومن بعض من له علاقة به، وكذا سخريته من مواقف الناس.
وقد تناولت السخرية أيضا بعض الشخصيات بالتصوير المضحك لإظهارها على حقيقتها كنوع من النقد الاجتماعي، كما فعل ابن دنيال (ت 710هـ أو 711هـ) في تمثيلية "عجيب وغريب"، التي صوَّر فيها سبعا وعشرين شخصية، تمثِّل نماذج من سكَّان القاهرة، ممن تغلب عليهم الغرابة في صورهم أو سلوكهم وأسلوب حياتهم. وقد تنوَّعت هذه الشخصيات: فمنها الأجنبيُّ الذي لا يتجانس مع مجتمع القاهرة، ومنها أصحاب حرف ومهن معيَّنة، وجوَّالون في الآفاق، وأدعياء الطب والصيدلة، وقراءة الغيب من حركات النجوم، ومروِّضو الحيوانات والمتسوِّلون"(1).
أبو الحسن علي نور الدين بن سودون اليشبغاوي (ت 878هـ/1473م أو 1483م) صاحب كتاب "نزهة النفوس ومضحك العبوس"(2) – مثلا – سخر من بعض الشخصيات التي تمثِّل طوائف شتَّى من الناس، مختلفي النزعات والطبائع(3).
(1) م، س. ص: 92.
(2) د. أحمد الحوفي، الفكاهة في الأدب العربي … ص: 22. يقول عنه محمود بيرم التونسي هو: " ممَّن ضحكوا وسجَّلوا ضحكهم، وقد كان شابا من أمراء السلجوقيين - على ما نذكر- يدعى (اليشبغاوي)، له كتيِّب صغير، يوجد في دار الكتب بالقاهرة، وهو غريب في بابه، سجَّل فيه كلاما يشبه هذيان الحشَّاشين، ولكنَّه خفيف ظريف … " الدكتور محمد الصالح الجابري "محمود بيرم التونسي في المنفى حياته وآثاره" ج1، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان، سنة 1407هـ/1987م، ص: 551.
(3) ينظر سخريته من رجال الدين، الذين يكثرون من المناقشات اللفظية … السخرية في أدب المازني، ص: 91.