السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٤

هذه لمحة عن السخرية في الأدب العربي. ومن خلالها يتبيَّن لنا أنَّها كانت ضاربة الجذور في الأدب العربي، بدءًا من العصر الجاهلي. وقد بدأت بسيطة وساذَجة، ثمَّ أخذت في التطوُّر لاحتوائها مضامين وقيَماً جديدة، استحدثها الإسلام، ثم توثَّقت صلتها أكثر بالهجاء في العصر الأموي، وارتقت بالنقائض إلى درجة عالية، ثم كان لها تطوُّر هائل، وازدهار كبير في العصر العباسي؛ إذ جدَّت ظروف من التمدُّن والتحضُّر والتقدُّم العلمي، وتوسَّع مجال التفتُّح على الثقافات الأخرى، وحصل استقبال بلا حدود للأجناس، الذين امتزجوا بالعنصر العربي … كان لكلّ ذلك أثر في تطوّر السخرية في هذا العصر، إذ تعدّدت ألوان التعبير بها، وكان لها استقلال عن بقية الأغراض. وبرز فيها أدباء كبار رفدوا من جاء بعدهم من الأدباء، وكانوا مصدر إلهام لهم. ثم عرف الأدب الساخر انتكاسة في العصر المملوكي والعثماني، ولم يعد له الطعم والنكهة اللذين كانا له فيما سبق. ثم نهض من كبوته من جديد في العصر الحديث، فعبَّر عن اهتمامات المجتمع، وأفصح عن الأوضاع التي عاشها العالم الإسلامي، وأظهر بعض المميِّزات التي كانت انعكاسا للبيئات التي ترعرع فيها.

نتساءل بعد ذلك عن مكانة الأدب الجزائري الساخر في هذه المسيرة، وعن خصوصياته، وعن إسهاماته وإضافاته … نحاول الإجابة عن ذلك في الصفحات الآتية:

د- السخرية في الأدب الجزائري قبل سنة 1925م:

لم يخل الأدب الجزائري قبل سنة 1925م من السخرية والتهكم. غير أنَّها كانت بسيطة ساذَجة في عمومها، تفتقر إلى الشروط التي ترقى بها إلى المستوى المطلوب فنيًّا. سببُ ذلك الظروفُ السيئة، التي كان يعيشها الشعب قبل سنة 1925م، وبخاصة قبل الحرب العالمية الأولى: نقصًا في الثقافة وضعفًا في الأدب. والسخرية تتطلَّب مستوى ثقافيًا معتبرًا، وشروطا نفسية وعقلية معيَّنة، ومناخًا اجتماعيًّا خاصًّا … حتىَّ تنمو وتزدهر.

٧٤ / ٤٩٤