السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٥لكنَّ الأدب الجزائري في هذه الفترة (أي ما بين بداية القرن العشرين إلى سنة 1925م) لم تتوفَّر له كلَّ هذه الشروط، ولهذا بدت السخرية فيها ساذَجة بسيطة في عمومها. نحاول فيما يأتي التمثيل لها ببعض النَّماذج من المقالة والشعر.
1 - المقالة:
عبَّر كاتب(1) عن تذمُّره للتدهور الذي آل إليه الأدب الجزائري بعامة والشعر بخاصة، بسبب انعدام النقد أو ضعفه، ممَّا جعل كلَّ الناس يلجون أبواب الشعر. سجَّل مشاعره في الموضوع بأسلوب التهكم والسخرية المريرة. قال الكاتب:
" … لأنِّي طرقت أبوابًا من فنون جمَّة، فلم أجد في أسواقكم إلاَّ بواراً وفساداً، خُيِّلَ إليَّ أن انتحل باب الشعر حرفة، فتجلببت بجلبابه، وقمت أصوغ منه ما يمليه عليَّ ميزانه، لأنَّ ناس اليوم يقبلون المنظوم أيًّا كان، بشرط أن يتَّحدَّ رويُّه، ولو اختلفت حركاته"(2).
أوجدت السخريةَ في النص بعضُ الألفاظ والعبارات (قد خيَّل إليَّ … فتجلببت بجلبابه … ما يمليه عليَّ ميزانه، لأنَّ ناس اليوم يقبلون المنظوم، بشرط أن يتَّحد رويُّه ولم اختلفت حركاته … ) السخرية سارية في كل ألفاظ النص وتراكيبه تقريبا. وكلها تعريضٌ واحتقارٌ وإظهار للحسرة والمرارة. وقد عبَّرت بصدق عن الواقع المعيش. إلاَّ أنَّها تبقى بسيطة.
وفي مقال لعمر راسم(3) عدَّد فيه مخازي المسلمين، ونعى عليهم سدرهم في غيِّهم، وانحرافهم عن جادَّة الإسلام، مع ادِّعائهم الانتماء إليه، أرسل الكاتب زفراته
(1) ينظر جريدة "كوكب إفريقيا" (الجزائر)،ع: 23/ 07/1909م، المقال بإمضاء مجهول.
(2) مجلَّة الثقافة (وزارة الإعلام والثقافة، الجزائر) ع: 48، ذو الحجَّة، محرَّم 98 - 1399هـ/ديسمبر 1978م، ص: 105.
(3) عمر راسم (1884 - 1959م) من رجال النهضة الجزائرية الحديثة، أصدر مجلَّة "الجزائر" سنة 1908 ثمَّ 1913، وهي تعدُّ أوَّل مجلَّة عربية يصدرها جزائري، كما أصدر سنة 1913 جريدة "ذو الفقار". من آثاره "تراجم علماء الجزائر" (مخطوط)، ومقالات عديدة – بالعربية والفرنسية - في الاجتماع والسياسة والفن … لمزيد من التفاصيل عن حياته ينظر د. محمد ناصر "عمر راسم المصلح الثائر".