السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٦

الحرِّى، ثم قال ساخرا(1): " … لا شكَّ وأنَّ السلطة البشرية تنعدم في أمَّة تبادلت مع حيواناتها الأخلاق، فلا يكون لوفاء العهد - وهو الخلق العظيم- مظهر إلاَّ في كلابها، ولا يوجد الاعتماد على النفس إلاَّ في وحوشها الضارية، ولا التطوُّح والاغتراب في طلب القوت إلاَّ في جوارحها وطيورها. إذاً فليقضِ على هذه الأمَّة قاضي النَّواميس الطبيعية أن تكون حقيرة ذليلة، محكومة مأسورة … "(2).

هذه سخرية وتهكم بالذين تخلَّوا عن أخلاق الرجال والأحرار، وخلعوا عن أنفسهم شمائل الإسلام. وقد عرَّض الكاتب بهم، وبيَّن أنَّ هذه الأخلاق الفاضلة موجودة، لكنَّها عند حيواناتهم، التي لا تعي ولا تدرك، بينما انتفت منهم، وهم أصحاب العقول والإدراك.

هذه السخرية مبعثها التذمُّر والحسرة والألم النفسي. وقد تمكَّنت من إيصال هذه الأفكار وتبليغ المشاعر إلى المتلقِّين. غير أنَّها تبقى بسيطة، ليس فيها من الإثارة والجمالية ما هو مطلوب في السخرية الأدبية الفنية.

إلاَّ أنَّ المقالة تطوَّرت - نوعا ما- حين لجأت إلى أسلوب المقامة -كما يرى الدكتور محمد ناصر- وذلك باستعمال السجع واستعارة بعض خصائصها، كاتّخاذ راوية واللجوء إلى أسلوب السخرية والفكاهة … ضرب مثالا على ذلك بما كتبه "العامي الندرومي"(3) الذي قال عنه أنَّه استرعى انتباهنا "بتصويره التهكمي وخياله الطليق، وهما صفتان قلَّما توجدان عند كتَّاب هذه المرحلة"(4).

يبدو أنَّ هذا الأسلوب كان مستحسنا ومقبولا، لما فيه من الطرافة والاستجابة لرغبة الناس في التنفيس عن قلوبهم المجروحة ونفوسهم الكئيبة، فقد جاء

(1) ينظر جريدة "ذو الفقار" الجزائر، ع: 3 (14/ 06/1914م). المقال بعنوان "الإسلام والمسلمون".

(2) الدكتور محمد ناصر، المقالة الصحفية الجزائرية نشأتها تطوُّرها أعلامها، من 1903 إلى 1931م مج1، (ش، و، ن، ت) الجزائر، سنة 1398هـ/1978م، ص: 80.

(3) ينظر جريدة "كوكب إفريقيا"، ع: 394 (09/ 01/1914م). المقال بعنوان "المجنون الدجّال".

(4) المقالة الصحفية الجزائرية … مج2، ص: 133.

٧٦ / ٤٩٤