السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٧في إحدى المقالات نداء " أن اصدع أيّها العامي على لسان مجنونك فإنَّ القلوب صاغية لمواعظك"(1).
يرى الدكتور محمد ناصر أنَّ الذي دفع الكتّاب إلى انتهاج هذا الأسلوب، أسلوب المقامة هو حساسية الموضوعات الاجتماعية، التي كانت صعبة التناول والمعالجة، وخطيرة، لأنَّها كانت مرتبطة بالبدع والخرافات والتقاليد، التي كان يؤمن بها بعض العلماء والجامدون وعامة الناس … تناوُلُ ذلك بطريقة مباشرة قد يعرض الكاتب إلى سخط الناس، إلى جانب ما في أسلوب المقامة من خصائص، تستهوي الناس وتستميلهم "ومن هنا كان على الكاتب الذي يريد أن ينتقد خرافة أو بدعة أن يتستَّر وراء الراوية، أو يتعلَّل بالحلم، حتى يأمن بذلك سخط الناس عليه"(2). ظهور السخرية في شكل مقامة يعدُّ تطوُّراً في الكتابة الساخرة، والتستُّر وراء راوية هو تعبير رامز ساخر في آن واحد.
ومن ألوان السخرية التي عرفها أدب هذه الفترة ظاهرةُ التظاهر بالجنون(3). فإلى جانب كونها وسيلة للتنصُّل من مسؤوليةِ ما يُقال، فهي أسلوب من أساليب السخرية لطرافة ما تُنُووِل فيها، وبخاصة في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى. هذه الوسيلة عكست بحقٍّ الحالة المتردِّية التي كان يعيشها الشعب الجزائري، الذي أصيب بالذهول، لهول ما كان يرى ويعايش: من انتهاك الحرمات، وما كان يعانيه ويقاسيه من ألوان الظلم والاضطهاد. يشير الدكتور محمد ناصر إلى أنَّ هناك من " تقمَّصَ شخصية (مجنون دجَّال)، أخذ يرسل نقداته اللاَّذعة على لسانه … توجه إلى (علماء الدعوة) كما كان يلقِّبهم، يؤاخذهم على الطريقة التي يربُّون العامة بها، ويبدو أنَّه كان اللسان المدافع عنهم"(4).
(1) م. س، ص: 135. ينظر "الصعلوك الطولقي"، "إلى العامي الندرومي"، "كوكب إفريقيا" ع: 387 (31/ 07/1914م).
(2) المقالة الصحفية الجزائرية … مج2، ص: 136.
(3) ينظر على سبيل المثال " كبر الإنسان"، " كوكب إفريقيا " ع: 344 (05/ 12/1913م). و "من العوام، هكذا النفس"، "كوكب إفريقيا" ع: 348 (02/ 01/1914م).
(4) المقالة الصحفية الجزائرية … مج2، ص: 203.