السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٨وقد تشكًّلت السخرية - ملفوفة في رمز أيضا - بأشكال منها شكل الرؤى والأحلام، وهي وسيلة نقدية ساخرة قديمة، عرفها الأدب العربي، وقد ظهرت بها "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعرِّي (363هـ/973م-449/ 1058م) و "رسالة التوابع والزوابع" لابن شهيد الأندلسي (382هـ/992م-426هـ/1034م).
فقد كتب كاتب مقالة على غرار أسلوب المعرِّي في رسالة الغفران، انتقد فيها بعض الفقهاء الذين يدَّعون العلم والمعرفة، بينما هم بعداء عن ذلك، لا يفقهون روح الشريعة؛ لتزمُّتهم وجهلهم، كما انتقد بعض الشعراء الذين أضرُّوا بالشعر بكتاباتهم الضعيفة، تهكم بهؤلاء وسخر وعرَّض(1).
وكاتب آخر يعدِّد البدع التي كانت منتشرة في المجتمع الجزائري انتشاراً مهولاً، ويندِّد بالخرافات والتقاليد البالية، التي شاعت في الوسط الاجتماعي. ولهول ما اصطدم به، بسبب هذا السلوك المشين، ولشدَّة المرارة التي كانت تعصر قلبه، وهو يرى المجتمع يتردَّى في الهاوية، وهو لا يقوى على المجاهرة بإنكاره هذا التصرُّف، وهذه السيرة … التجأ إلى طريقة الرؤى والأحلام، وتوسُّل بها؛ رامزاً بذلك إلى سوء عمل هؤلاء الناس، وإلى دناءة هذا السلوك، ومعرِّضا بتفكير القوم الساذَج والخطير، ومتهكماً ساخراً من المفارقات التي يعجُّ بها المجتمع، وملمِّحاً إلى الانكفاف عن هذا التصرُّف … " … رأيت في ليلة من ليالي الشتاء الطوال ذوات الظلام القاتم … رأيت نفسي. ولا بدع أن جلتُ في عالم الأحلام جولة، وأتيت بمواعظ حسنة، يعرف تأويلها من يعتمد في تأييد دعواه على وحي الأحلام … رأيت النسور والعقبان، والغرابيب السود، تشقُّ الجوَّ، وتسبح في لجَّة الفضاء، وفي براثنها بقية (الشخشوخة) وهي تفور فورًا، لم يتجمَّد شحمها، ولم يتسنَّه طعمها، والسلاحف في صهريج هادئ، ماؤه أنيق رواؤه، وهي في جوفه تسبح وتمرح من فرط إعجاب بقدِّها وحسن وكرها … والزنوج وقد برزوا في ثياب حمر وعمائم من سندس خضر حسان وغير حسان، وتلفَّعوا بسواد ليل أليل، تشرق بجنباته
(1) ينظر "رؤيا"، جريدة كوكب إفريقيا، ع: 116 (23/ 07/1909م). المقال دون إمضاء.