السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٢الذي كان قائماً بين المصلحين والطرقيِّين، هذا الصراع الذي كثُر فيه النِّقاش والجدال والنزال والنقد اللاَّذع المر، وتبادل التهم. من الأمثلة على ذلك نقيضتان استعملتا أسلوب السخرية، ولو بشكل بسيط. إحداهما للمولود بن عمر الزريبي بعنوان "صوت من الشرق" أو "وقفة العامي الندرومي"(1) والثانية لشاعر من الغرب الجزائري بعنوان "صوت من الغرب" أو "وقفة المجنون الدجَّال".
من القصيدة الثانية نختار بعض الأبيات التي فيها سخرية. القصيدة تبدأ بالهجاء والذمِّ واتِّهام الخصم بالجنون، وقد كانت على شكل قصَّة إمعاناً في التهكم والسخرية. فبعد أن يعدِّد الشاعر بعض أعمال المصلحين، التي هي منافية للدِّين- حسب نظره- ويصوِّر تحذيره للعامة، وتغريرهم بهم بحجَّة الإصلاح، يرسم لهم صورة ساخرة:
إن وصفوا مسلخاً طاروا به فَرَحاً … وشنَّفوا سمعهم بأنه النَّمِرُ(2)
ثم يزيد في التهكم بهم بقوله:
شمُّوا من الإبط عُرفاً زادهُم نَزَقاً … فهم سُكارى إلى أن ينقضي العمرُ
لو كان فيه هُدىً لأصلَحوا ذِمماً … أخنىَ عليها من الإذاية الذُّعرُ
إنِّي غَبرتُهمُ، وذاق مرَّهمُ … من التلوُّنِ صاحِ البدوُ والحضرُ(3)
وقصيدة "الزريبي" التي ردَّ بها على قصيدة "صوت من الغرب" سارت على منوال الأولى، واصطبغت بصبغتها، واحتذت أسلوبها.
هكذا نلحظ أن السخرية قبل سنة 1925 - في معظمها- كانت تعتمد على الهجاء والإقذاع والمبالغة في الحطِّ من الخصم والنَّيل منه، وتسفيه أحلامه
(1) القصيدة كانت بإمضاء مستعار، غير أنَّ الدكتور عبد الله الركيبي يقول: وقد تأكَّد لنا أنَّها للمولود بن عمر الزريبي، لأنَّه أمضى باسمه في قصيدة أخرى يهاجم فيها الندرومي. ينظر المرجع السابق، ص: 612.
(2) م. س، ص: 614. نشرت القصيدة في كوكب إفريقيا، ع: 17/ 03/1914م.
(3) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 615.