السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٣وأعماله، وكانت تنتهج التقريرية والمباشرة. ومنها ما كان يتبنَّى تراكيب ضعيفة أو بسيطة، لا تحرّك القلوب ولا تهزُّ المشاعر … لكن السخرية بعد هذه الفترة بدأت تنتشر وتشيع وتتطور تطوُّراً لافتاً للنظر، ظهرت بمظاهر متنوِّعة وألوان مختلفة. فما هي عوامل هذا الانتشار؟
ه ـ عوامل انتشار السخرية في الأدب الجزائري الحديث:
لا جدال في أنَّ سنة 1925 شهدت ميلاد الحركة الإصلاحية، التي عملت بهياكلها ووسائلها على تنشيط الحركة الأدبية، وبعث الأدب العربي من جديد، والأخذ بأسباب التغيُّر والتجديد، بتبنِّي أساليب متطوِّرة في التعبير، وتوخِّي طرقٍ فنية في الكتابة. وقد كان من بين هذه الألوان والأساليب أسلوب السخرية والتهكم، الذي أخذ ينمو ويتطوَّر مع مرور السنين، وتطوُّرِ الظروف والملابسات التي تحيط عادة بهذا اللون من التعبير.
لقد كان تأخُّر انتشار السخرية وتطورها في الأدب الجزائري الحديث إلى هذه الفترة (ما بعد 1925) سببه ظروف عاشتها الجزائر بعامة والحركة الأدبية بخاصة. وكان شيوعه بعد ذلك لعوامل، منها الخاصة بالأدب الجزائري، ومنها العامة التي تتعلَّق بطبيعة السخرية نفسها وطبيعة الأديب الساخر الحسَّاس. فما هي هذه العوامل:
أوَّلا: الضغط السياسي الذي كان يمارسه المستعمر على الشعب، الذي عمل على سليه مقوِّماته، وتشويه شخصيته، وطمس معالمه الحضارية، وقطع صلته بماضيه وتراثه، واجتهد في تجهيله، وكبت حريَّته … عمل كلَّ هذا وهو يملك من وسائل القوَّة المادية ومن آليات القهر والقمع ما تعجز عن مقاومته وصدِّه إمكانات الشعب المحدودة. فكان لا بدَّ من سلوك طريق أو انتهاج أسلوب، يبتعد عن المباشرة في المواجهة ويتجنَّب العلنية في المقاومة، ويخفي النية المبيَّتة لتوعية الجماهير وتكوينها وتثقيفها، والقصد إلى حماية الشعب من الهجمات على أصالته وشخصيته. فكانت السخرية إحدى هذه الوسائل غير المباشرة في المقاومة والمواجهة والانتقام: مقاومة