السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٤الأجنبيِّ الدخيل على المجتمع، ومواجهة سياسات المسخ والتشويه، والانتقام من البطش والجور. مع محاولة إشاعة كلِّ ذلك بين أفراد كلِّ طبقات المجتمع، وذلك بالاستعمال الأمثل للسخرية وحسن توظيفها في التوعية واستنهاض الهمم.
يقول الدكتور محمد ناصر عن هذه الظاهرة التي انتشرت في الأدب الجزائري، والتي صبغت سخرية الأدباء بالقتامة والحزن والأسى: ذلك لأنَّ الاستعمار أحال حياة نفوس الأدباء "إلى مأساة، وأرضَها إلى سجن رهيب، فلم تستطع بحال من الأحوال أن تصرخ في وجه الجبروت غاضبة، ولا أن تقاوم أعماله ثائرة، فلجأت إلى التهكم المرير، والسخرية الحزينة، تتَّخذ منها لغتها، التي تعبر بها عن مشاعرها، وتجد في هذه اللغة متنفَّساً لها، يخفّف عنها آلام الضغط الخانقة، وتستنشق بين الزفرة والزفرة نسمة هواء، متجدِّدة تلطِّف من حرارة الجمرات الملتهبة بين الحنايا"(1).
قد لا يتفطَّن الإنسان العادي لرداءة الحياة التي يحياها، أو لسوء الظروف التي يمرُّ بها، لكنَّ الأديب بعامة، والساخر بخاصة يتيح لهذا الإنسان وللقارئ والمستمع أن يحسَّ بما يحسُّ به الأديب الفنَّان من الرداءة والردَّة والتردِّي، بما يثيره في نفس كلِّ واحد من أولئك من المشاعر بواسطة سخريته.
ثانيا: تردِّي الأوضاع الاجتماعية في الجزائر، بانتشار الانحرافات، ديناً واجتماعاً، أدبًا واقتصادًا … واتِّساع دائرة هذه الانحرافات، وتفشِّي الفساد، وعجز الأدباء في الإعلان عن تذمُّرهم وسخطهم مباشرة، وفشلهم – أحيانا - في معالجة الأوضاع بالوسائل العادية، مع ملاحظة إعراض الناس عن سماع الحقِّ، وتعاليهم – كثيرا - عن الاستماع إلى الوعظ والإرشاد … كلُّ ذلك أدَّى بالأدباء إلى اتّخاذ السخرية وسيلة للمعالجة، ولو كانت محدودة الجدوى أحيانا، وأحيانا أخرى لا تتعدَّى الجانب النفسي.
(1) المقالة الصحفية الجزائرية … مج2، ص: 190.