السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٥وقد استخدموا أساليب مختلفة في التعبير عن كلِّ ذلك بواسطة السخرية، كأن يوجِّه أحدهم نقداً إلى شخص حقيقي أو متخيَّل، يمثِّل خُلقاً اجتماعيًّا، أو ظاهرة من الظواهر الاجتماعية، فيسخر منه، وهو يقصد التهكم من ذلك الخلق أو تلك الظاهرة. وقد وجَّه الأدباء انتقاداتهم إلى التعصب الديني والتخلُّف الفكري، والتصلُّب الاجتماعي، وإلى ما لحظوه من تناقضات في الحياة، والشذوذ عن طبيعتها …
وقد عبَّروا عن مشاعرهم بالسخرية والتهكم بدافع من هذه الأسباب؛ لأن السخرية كما يقال: "محاولة لطيفة مهذَّبة، الغرض منها تطهير الحياة والمجتمع من الظواهر السلبية، التي تجانب التطوُّر، وتناهض الحركة نحو المستقبل، فإذا ما وَقَعتْ على إحدى هذه الظواهر كالبلادة والخمول أو الغفلة، أو كلِّ ما يهدِّد الحياة بالتوقُّف أو البطء، أو كلِّ ما تحِسُّ أنَّ فيه إعراضاً عن الحياة، أو عجزاً عن التلاؤم معها، أخذت نفسها ضدَّه، وجمعت أسلحتها، لتنقضَّ عليه، إذا لم يكن بدٌّ من أن تكون قاسية معه"(1). هذا ما التزم به الأدب الجزائري الساخر، محاولة منه معالجة الأوضاع الاجتماعية بطريقة مهذَّبة لطيفة. وذلك إلى حدٍّ بعيد.
ثالثا: الصراع الفكري الذي كان على أشُدِّه بين الطبقة المثقَّفة، مختلفة الاتِّجاهات والنزعات، فكريًّا ودينيًّا وسياسيًّا وأدبيًّا … وقد كانت البيئة "تعجُّ بالأفكار المتباينة، والمرحلة كانت مرحلة تلمُّس للطريق الصحيح. فكان كلُّ واحد يسهم برأيه، مؤيِّدًا أو معارضًا"(2). يحدث ذلك والوعي ما يزال ناقصا، والجهل يظلُّ منتشرًا في الأوساط، بما لا يتيح الفرصة للتَّفريق بين الاختلاف الفكري والخلافات الشخصية والتباين والعداوة، إضافة إلى تغذية الاستعمار لهذه الخلافات وهذه المعارك، وقد اشتدَّ هذا الصراع أكثر بين المصلحينَ والطرقييِّن.
لقد برز في هذه السخرية الهجوم على الأشخاص والهيئات: "وكانت الدوافع الشخصية تلعب دورها في هذه الصراعات إلى جانب المبادئ والأهداف، فوق أن النظرة كانت مختلفة للقضايا السياسية أو الاجتماعية أو الدينية … "(3)، ويضيف الدكتور الركيبي "وقد كان للمنافسة أثرها في الخلاف الذي نشب بين الفريقين، كما لعبت الزعامة أيضًا دورها في هذا المجال"(4). كما كان للحزازات الفردية والأغراض الخاصة، والخلافات الشخصية، وبعض العداوات، التي تنشأ بين شخص وآخر؛ لسبب من الأسباب، وعادة ما يفرزها الاحتكاك الدائم، وتكون أو تأتي السخرية في هذه الحالة للانتقام، وقد قال "أدلر ADLER "(5) : " البغض والانتقام هما الشيطانان التوأمان اللذان يولِّدان السخرية"(6). كان لكلِّ ذلك دورُه في شيوع السخرية في الأدب الجزائري. وقد تلقانا أحيانا مع سخرية وتهكُّم - بدافع من هذا العامل- لا تَمُتَّان إلى الأدب بصلة.
رابعا: تغيير وسيلة المواجهة، وتعويض طريقة المعالجة بما يلائم الظروف، وبما يساير المستوى الإدراكي للمخاطبين، وبما يتناسب مع أحوالهم النفسية،
(1) السخرية في أدب المازني، ص: 30.
(2) الشعر الديني الجزائري الحديث، ص: 588.
(3) م. ن.
(4) م. س، ص: 628.
(5) الفرد أدلر (1870 - 1937م) طبيبب عقلي نمساوي، مؤسِّس علم النفس الفردي، عارض التحليل النفسي الفرويدي في تضخيمه للجنس، من مؤلفاته "علم النفس الفردي عملاً وعلمًا" "الحيلة العصابية". ينظر الموسوعة العربية الميسَّرة، مج1، ص: 100.
(6) السخرية في الأدب العربي، ص: 16. ينظر ما أدلى به مفدي زكريَّاء رغبة في السخرية والعبث بفريسته من أصحاب الطرق، ينظر د. محمد ناصر، مفدي زكريَّاء شاعر النضال والثورة (دراسة ونصوص) ط2، نشر جمعية التراث العطف. غرداية (الجزائر) سنة 1989م، ص: 69.