السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩٤

مضنية وأوقاتا ثمينة. والمتسبِّب الرئيسي في ذلك هو الجهل الذي أورث التزمُّت، فأنتج جموداً فكريًّا قاتلا. هذا الجمود أصاب الدين والمجتمع بعامة، وعطَّل حركة الحياة. وقد ثارت زوابع ومعارك بين الإصلاحييِّن والمحافظين، بسبب تشبُّث الجامدين بماضيهم بتعلاَّته، وتمسُّكهم بحرفية النصوص، دون محاولة فهم روحها، وبذل جهد في تفسير تلك النصوص بما يتناسب مع العصر – من غير المساس بالجوهر والأصل- ومن ثمَّ تقديم الإسلام تقديمًا صحيحًا، من ذلك تأكيد صلاحيته لكلِّ زمان ومكان.

ففي الوقت الذي يُعدُّ فيه الاجتهاد ركيزة مهمَّة من ركائز الحركة الإصلاحية، كان المحافظون يحاربون هذه الفكرة، ويشيعون أنَّ الاجتهاد ممنوعٌ؛ لأنَّ بابه قد أغلق منذ زمان، ويقولون إنَّ التجديد مَسخٌ والاشتغالَ به صرفٌ للأمَّة عن واجبها؛ ولذا استحقَّ أصحابه لعنة الناس ودعوات بالشر كدعوات سيِّدنا نوح - عليه السلام - على قومه، الذين لم يستجيبُوا له، كما جاء في إحدى افتتاحية "البلاغ"(1): "من أراد أن يتَّخذ إلى المسخ سبيلاً فليعمل في دائرة التجديد بالقدر الذي يستطيع إليه … وبعد حين تتجلَّى الحقيقة، وينكشف القناع، فتأتيه الأيَّام بثمرة غرس المجدِّدين المصلحين، لا أصلح الله غرسهم، ولا سدَّد فعلهم، فقد شغلوا الأمَّة عن واجبها العيني، ملأ الله بيوتهم ناراً وأفواههم عاراً، واستجاب للأمَّة فيهم بما استجاب لدعوة نوح، حيث قال(2): ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾(3).

أسلوب اللعن والدعاء بالشرِّ والهلاك، الذي استعمله صاحب النص للتشنيع على المجدِّدين أعمالهم. أقلُّ ما يقال عنه: أنَّه ينمُّ عن الحقد والضغينة. هدَى إليه صاحبَه جمودٌ في الفكر، وتحجُّرٌ في العقل، وقصورٌ في الإدراك وقِصرٌ في النظر،

(1) البلاغ الجزائري (1926 - 1943م) جريدة أسبوعية، أسَّسها أحمد بن عليوة شيخ الطريقة العليوية، لتكون لسان حال هذه الطريقة، كان من أهدافها الدفاع عن التصوّف والطرقية. كانت لها معارك حامية الوطيس مع جرائد جمعية العلماء، ومع جرائد: البرق للزاهري، والإصلاح للعقبي، والمغرب لأبي اليقظان.

(2) سورة نوح، الآية 26.

(3) المقالة الصحفية الجزائرية … مج1، ص: 128،129.

٩٤ / ٤٩٤