السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩٥وإفلاس من الحجَّة والدليل في مواجهة الخصم، وعجزٌ في المقارعة بما تمليه اللباقة والاحترام، وتتطلَّبه الكتابة الأدبية.
بناء على ذلك فإنَّ الأدباء يحمِّلون التصوُّفَ ومعتنقيه والماسكين زمامه وموجِّهيه مسؤولية كلِّ ما حدث، وكلِّ ما عناه المصلحون والمجدِّدون في مسيرتهم الإصلاحية؛ بسبب تصرُّفاتهم الخاطئة، ونظرتهم الضيِّقة إلى الحياة؛ إذ كلُّ جديد عندهم هو بدعة، وكلُّ ما ينزل إلى الميدان ممَّا لم ينقل عن السلف، ولم يعرف عن الآباء هو منبوذ، وكلُّ ما لم تنصُّ عليه النصوص الشرعية صراحة هو محرَّم. هذا التفكير وهذا الجمود صوَّرَا لأصحابهما أنَّ الصحافة بدعة وخرافة. وقد وصل بالبعض منهم إلى النفور منها، وشتمها ولعنها والبصق عليها؛ نكاية بأصحابها، يقول أبو اليقظان: "ومن العجيب أنَّنا نرى كثيراً من الناس تشمئزُّ نفوسهم من الجرائد، وما تصرَّف منها، وينفرون من رؤيتها وسماعها نفور الشقيِّ من صحيفة أعماله، وقد يبلغ بهم الحال إلى حدِّ شتمها وتمزيقها والبصق عليها، والاستبراء بها، ويخيَّل لهم وهمهم في ذلك إنَّما يفعلون كلَّ ذلك بأصحابها المختفين وراء سطورها، تلك والله سخافة لبعض العقول المنقوبة تضحك الثكلى، وحماقة لا دواء لها"(1).
إن النّص يفصح عن تذمُّر الكاتب من مضايقة خصوم الإصلاح للمصلحين والشماته بهم، ويُبِين عن علامات القلق من المقاومة الكبيرة التي كانت تلاقيها الصحف الإصلاحية في الجزائر؛ لما لها من دور في الكشف عن حقيقة أولئك الجامدين، وفتح أعين الناس على تصرُّفاتهم. ويكشف في الوقت نفسه عن الجمود الفكري والتحجُّر والتقوقع، ويبرز التخلف الذي يؤدي إلى تصرُّفات حمقاء.
من هذه التصرُّفات ما يحكيه وينقله إلينا "الطيِّب العقبي"(2) ممَّا لاقاه من بعض الطرقيين، الذين انتقدوا عليه قراءة الجرائد، بل حرَّموا عليه ذلك وعدُّوا قراءتها - في
(1) المقالة الصحفية الجزائرية … مج2، ص: 69. ينظر جريدة "وادي ميزاب" ع: 3 (15/ 10/1926م).
(2) الطيِّب العقبي (1890 - 1960م) أحد أبرز رجال الحركة الإصلاحية في الجزائر، شغل منصب نائب الكاتب العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، صاحب جريدة "الإصلاح" (1927 - 1948م) عرف بخطيب نادي الترقي في عاصمة الجزائر. شارك بقلمه في كثير من الصحف الإصلاحية. أبدى نشاطاً كبيراً في محاربة البدع.