السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩٦

الإثم والجُرم- كاللعب بالدومينو ودلَّلوا على ذلك بآيات من الذكر الحكيم، وبأدلَّة من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. سبب ذلك جمودٌ في الفكر وعطلٌ أصاب آلات التفكير عندهم، يصوِّر الكاتب ذلك في أسلوبٍ ساخر تهكميٍّ، فيه غير قليل من التندُّر والمكر: " … ينتقدون عليَّ قبل كلِّ شيء قراءتي للجرائد، ويقولون إنَّ قراءتها حرامٌ، ومن يقرأ الجرائد (في الإثم والمؤاخذة) كمن يلعب (الدمينو، القمار). والفقهاء البارعون منهم يستشهدون على تحريم الجرائد بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَّشْتَرِي لهْوَ الحَدِيثِ لِيُضَلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ … ﴾(1) وأعظم حجَّة لديهم في ذلك، أو أكبر شبهة تتحكَّم في عقولهم هو أنَّ الجرائد لم تكن موجودة على عهد النبيِّ عليه الصلاة والسلام. وقال سيِّدٌ كبير منهم إنَّه يحفظ بعض حكايات، تدلُّ على أنَّ أحد الصحابة - رضي الله عنهم - استأذن من النبيَّ في إصدار جريدة، فلم يأذن له في ذلك، أو بعبارتنا المعروفة لم يعطه رخصة الجريدة (الامتياز) "(2).

يهدف الكاتب - من خلال ما عرضه علينا- إلى إضحاكنا؛ بتقديم صورة عن مستوى تفكير هؤلاء الجامدين، وفي الوقت نفسه يريد تجسيم عيب من العيوب التي تضرُّ بالمجتمع، وتفتك به، إنَّه عيب الجمود الفكري. وقد سعى إلى إبرازه بوسائل عديدة: وسيلة التندُّر، ونسبة الجهل إلى المتحدِّث عنهم بالاستشهاد ببعض الأقوال والنصوص الشرعية في تأييد آرائهم في الموضوع، مع ملاحظة عدم صلاحيَّة تلك النصوص له. وقد اعتمد في إبراز هذا التهكُّم على بعض الكلمات والعبارات والأوصاف الساخرة المعرِّضة: (الفقهاء البارعون منهم، سيِّد كبير منهم، استأذن النبي في إصدار جريدة … ) وبذلك ينسب الكاتب إلى هؤلاء الجامدين البراعة في الحفظ وحسن الاستدلال (استهزاء) ليكشف عن جهلهم، وأفَنِ تفكيرهم، وخطل رأيهم، وجمود فكرهم وهنا تكمُن السخرية ويبرز التهكُّم. وقد

(1) سورة لقمان، الآية: 6.

(2) المقالة الصحفية الجزائرية … مج1، ص: 133. المقال بعنوان "ماذا ينتقدون عليَّ". نشر في جريدة الإصلاح، ع: 7 (07/ 11/1929م).

٩٦ / ٤٩٤