الشورى الإسلامية والديمقراطية المعاصرة دراسة مقارنة لبيوض حدبون - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٤٤ويمكن أن نقول- بمعنى آخر- إن مفهوم الحرية في الشورى منبثق عن تصور الحرية في الإسلام، التي تعطي للإنسان المجال والاختيار لأية نشاطات يمارسها في الحياة، بشرط خضوع المضمون والوسيلة للإسلام، فلا ينتهك الدين باسم الحرية الإسلامية، ولا تزرع الفوضى السياسية باسم حرية التعبير، فقد أمر الإسلام- في هذا- بالنصح لولي الأمر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالنقد البناء المخلص، ليس مجرد إباحة أو رخصة أو حق بل هو واجب(1) مع حُسن التبليغ والأداء، ولعل من أروع الأمثلة التي تصدق مبدأ الحرية الإسلامية في التشاور ما كان بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - إمام المسلمين، وبين سعد بن عبادة موفد الأنصار إليه - صلى الله عليه وسلم - ، ليخبره بما وجد الأنصار في أنفسهم من تقسيم فيء هوازن على المؤلفة قلوبهم من قريش، من دون أن يفرض للأنصار نصيبا منه، فلما سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - سعد بن عبادة عن رأيه قال- بكل حرية-:" أنا من قومي"، فجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنصار، وخطب فيهم حتى بكوا ورضوا بالقسمة، فالذي يؤخذ من الحادثة في هذا المقام ليس مقتصرا على قضية الصواب والخطأ في التصرف، بل المراد تلك الممارسة للحرية والإفضاء بما في الصدور- ولو كان خطأ- بذلك الشكل من الصراحة والإفصاح، فممارسة الحرية على هذا النحو من الشجاعة والصفاء هي التي جعلت من المسلمين- في الصدر الأول- ذلك البنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا(2) .
(5) الكمال:
فقد نزلت متكاملة، بالغة مرحلة النضج من حيث المبادئ والأسس في أول الأمر لما شُرعت من رب الإنسان ومُوجده، فلا يبعد أن تكون كذلك طالما لم تكن لعباقرة الإنسان، ولا مفكريهم عبر العصور أدنى يدٍ في وضع مبادئها، وسنِّ قواعدها.
(6) المساواة: