الشورى الإسلامية والديمقراطية المعاصرة دراسة مقارنة لبيوض حدبون - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٩- إن الشك المنهجي كما يسميه المفكرون والفلاسفة وسيلة من وسائل تمحيص العلم بشكل يقيني استدلالي، وأسلوب من أساليب النقد البناء، فهو منهج مشروع في إدراك المعلومة، وقد استخدمه القرآن الكريم في مواضع عدة، فكان يعرض لنا صورا عن هذا الصنف من مناهج الاستدلال، ولم يذمَّه أو ينتَقِصه، بل أثنى على سالك هذا الدرب، كما هو الحال مع النبي إبراهيم - عليه السلام - لما أخذ ينظر في السماء، ويبحث عن الإله بين الكائنات المخلوقة- مع علمه اليقين بأن ربَّه هو الله وحده خالق كل شيء-، فقد كان - عليه السلام - في محاورته مع نفسه يضع في الميزان ما كان يخطر بباله من كائنات؛ ليُمايز بينها ويتبيَّن العيوب والمميزات، ويستجلي الحقائق الموجودة في كلٍّ من الكوكب والقمر والشمس، حتى يقيمَ الحجة على قومه حينما يسألونه أو يُحاجونه، ويُبيِّنَ لهم النتائج التي توصَّل إليها، ويخبرَهم بأن ربهم هو الذي يكبُر ويَعظُم عن الخضوع لقوانين الطبيعة وسُنَنِها، فلا يحكُمُه مكان ولا زمان، وليس من شأنه أن يغيبَ ولا أن يغفلَ كحال غيره، وهو الخالق لكل شيء، والعالم بكل شيء، فهو الأحق بإثبات الرُّبوبِيَة وإخلاص العبادة…، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿ … ... ﴾(1) ، ألا ترى في استدلال سيدنا إبراهيم - عليه السلام - أنه استعمل المقارنة بين وحدانيته المطلقة التي شرعها الله، وبين ما رأته شرذمة من البشر من آلهة بديلة عن عبادة الحي القيوم، وذلك حتى يُبيِّن لقومه ولمن يأتي بعده أن مستحق الربوبية إنما هو الله وحده، فالله تعالى لم يؤاخذه ولم يقل له إنك تخادع ذاتك بالمقارنة، أو أنك تسيء إلي بموازنتي بالقمر والشمس وأمثال تلك المخلوقات، بل وصفه بالنبيِّ الذي وفَّى والأواه الحليم.
(1) - من الآية: 88 من سورة هود.