المساقاة: مشروعيتها وشروطها وأحكامها أفلح بن أحمد بن حمد الخليلي

المساقاة لأفلح الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

أما عند ابن حزم الظاهري فإنها ترد إلى مساقاة مثلها، ودليله أنه لا يحل الكراء إلا بجزء مشاع مسمى من الأرض، ولا يصح إباحة الأرض وما أخرجت للعامل بغير طيب نفس صاحب الأرض، لقوله تعالى: } ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴿ (البقرة 188)، ولا يجوز إباحة بذر العامل وعمله، فيردان إلى مثل حق كل واحد منهما، مما أخرج الله منها، لقوله تعالى ﴾والحرمات قصاص { (البقرة 194) فالأرض حرمة ومن حقه يقتص بمثل حق مثلها، وبذر الزارع وعمله حرمة محرمة من ماله وبشرته فله، ومن حقه أن يقتص بمثل حق ذلك مما أباح الله تعالى في المعاملة([14]).

وقد بناه على أمر لا يسلّم به الجمهور وهو منع كراء الأرض بالذهب والفضة، بل لو سلم بصحة أصله الذي بنى عليه لا يصح الفرع، لأن حديث أبي داود السابق يرد عليه وفيه: ((فأخذنا زرعنا ورددنا له النفقة))([15])، وكذا في الحديث الآخر: ((أربيتما فرد الأرض على أهلها وخذ نفقتك))([16]) لكن الثاني منهما ضعيف كما سبق بيانه، ويبقى الإشكال أن الحديث إن صح فهو في المزارعة دون المساقاة، والحكم قد يختلف لأن أخذ الأجر على الأرض البيضاء يصح دون الأشجار فلا يصح لمنع تأجيرها، وقد يقال: باختلاف الصورة فالإجارة عقد تبنى عليه أمور، بينما أجرة المثل هنا عوض حتى لا تضيع الحقوق، ولأمثال ذلك صور في الشريعة الغراء.

والأحناف والشافعية([17]) لا يمكنهم الاستدلال بالحديث في المسألة لأنهم لا يقولون بمقتضاه في الزرع، بل يعتبرونه يتبع البذر، وذكر في بذل المجهود بأنهم قد يقولون بأنه ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم أن البذر لصحاب الأرض([18])، وهذا التأويل ضعيف لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل، وتركه دليل العموم عند كثير من الأصوليين.

والمساقاة الصحيحة يقتسم العامل والمالك فيها نصيبهما بحسب الاتفاق وإنما الخلاف في وقت استحقاق العامل، فقيل: بالظهور وقيل: بالقسمة، كما سيأتي إن شاء الله.

١٢٩ / ١٩٨