المساقاة: مشروعيتها وشروطها وأحكامها أفلح بن أحمد بن حمد الخليلي

المساقاة لأفلح الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٥٢

والجواب عن ذلك: إن كان يعتبر المساقاة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر قوله: (وعكس هذا…) أي قياس الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم على غيره، فالجواب أنه ذكره لتقوية الحجة، وإضافة دليل القياس إلى دليل النص ليتأكد به، وكذلك ليبين للمخالفين أنهم فرقوا بين متماثلين في الحكم، وإن كان لا يعتبر الحكم ثابتاً بالنص فيلزم القياس، ليتسنى له به معرفة الحكم الشرعي، وهو حجة سواء أكان المقيس عليه ثبت بكتاب أو سنة أو أجمع عليه، وهنا ثبت بالاجماع، واعتبار عدم ثبوت المضاربة بالسنة مانعاً من القياس غير مسلم عند الجمهور، لأن السنة مصدر، والاجماع مصدر، فما ثبت بواحد منها قيس عليه ما شابهه، وبعض أصحاب الشافعي يمنعون القياس إلا في أصل ثبت بالنص([6])، ولم أجد ذلك معزواً للشافعي حتى يقال بأنه بنى على أصله.

2- قد يقال: إن القياس -أي للمساقاة على المضاربة- مصادم للنصوص الشرعية فهو فاسد الاعتبار.

ويجاب عنه: بأنه لا يعتبر فاسد الاعتبار إلا مع تعذر تأويل أدلة الخصوم تأويلا صحيحاً، أما مع الإمكان فلا يرد، وأدلتهم هنا إما عمومات والقياس يخصصها كما هو مذهب الجمهور، وإما محتملات لأكثر من معنى كالمخابرة، وهذا القياس تعضده نصوص صحيحة صريحة لا مطعن فيها.

3- قد يقال: بأن المضاربة لم يجمع عليها حتى تكون أصلاً يقاس عليه، لما قاله ابن حزم الظاهري: (لا ما يدعونه من الباطل والظن الكاذب في الإجماع على المضاربة التي لا تروى إلا عن ستة من الصحابة رضي الله عنهم)([7])، ولا يصح القياس إلا على أمر مجمع عليه.

ونحيل الجواب عن ذلك إلى ابن حزم نفسه حيث يقول في القراض: (وعمل به المسلمون عملاً متيقناً لا خلاف فيه، ولو وجد فيه خلاف ما التفت إليه؛ لأنه نقل كافة بعد كافة إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه بذلك، وقد خرج صلى الله عليه وسلم في قراض بمال خديجة رضي الله عنها)([8]).

٥٢ / ١٩٨