المساقاة لأفلح الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٥٤وذهب المالكية إلى القول بجواز المساقاة للضرورة([11])، ولم أفهم معنى الضرورة هل هي ضرورة رب الأرض؟ أو ضرورة العامل؟ أو ضرورة الشريكين؟ وهل الضرورة التي لا محيص عنها أو هي الحاجة؟.
ولعلهم يستدلون لذلك بأن هذا الفعل خالف القياس وصادم كثيراً من القواعد، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتضي جوازها في غير الضرورة، لأنه لم يفعلها إلا عندما لم يكن له ولا لأصحابه عمال يعملون فيها كما سبق ذكره، والفعل لا يعم عند جمهور الأصوليين كما نسبه إليهم الشوكاني([12])، فلا يقتضي الجواز إلا في تلك الحالة، لأن الأصل المنع.
وقد يجاب عن ذلك: بأن تلك واقعة حال، ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم أنها أجيزت للضرورة، ومن المعلوم أن تلك الضرورة لم تستمر تلك المدة الطويلة منذ معاملة أهل خيبر حتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر من بعده وشملت أغلب خلافة عمر، وكذلك لم تشمل تلك الضرورة جميع من شارك في تلك المعاملة، وهم يقاربون ألف وخمسمائة رجل، ولا يتصور اضطرارهم جميعاً لها، بل لا شك أن بعضهم كانوا قادرين على تفادي المساقاة بغيرها.
وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين عرض الأنصار العمل على إخوانهم المهاجرين لم يستفصل، هل هم بحاجة إلى عمال أو لا؟ وترك الاستفصال دليل العموم عند كثير من الأصوليين([13])، علاوة على أن من ضمن أدلة الجواز التي ذكروها القياس على القراض، وهو لم يجز للضرورة فقط، وإنما جاز فيها وفي غيرها.
وقد يكون الخلاف لفظياً فقط، إذا كانوا يعنون بالضرورة الحاجة، وهو ظاهر حيث إنهم أجازوا المعاملة في الأصول مع غير الضرورة وإنما قيدوا مساقاة الزرع بالضرورة.
بعد عرض أدلة المجيزين والمانعين يرى الناظر أن أدلة المجيزين أوضح دلالة وأقوى حجة من أدلة المانعين.
--------------------------------------------------------------------------------
([