الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٢٢

أرض الواقع. إلاّ أنّ القوميّة المخنوقة – بسبب هذه الممارسات القاسيّة – تنطلق انطلاقة المارد من قمقمه، لتؤكّد على الانتماء الحقيقي الذي لا مساومة فيه: الانتماء الدّيني واللّغوي والفكري.

إذا تغنّى الشّعراء الجزائريّون بوطنهم كلّ هذا الغناء، وأظهروا كلّ هذا الهيام، فهم لم يجانبوا الصّواب، ولم ينحرفوا عن سواء السّبيل في الدّعوة إلى القوميّة، التي هي أعمّ من الوطنيّة، بخاصّة وأنّهم كانوا يمزجون بين ما هو وطني وما هو قومي، ويتناولون المقوّمات التي تجمع العرب والمسلمين، أي كانوا مهتمّين وحريصين على توعيّة النّاس بمفهوم القوميّة بمعناها الواسع. مع أنّ الحديث عن الوطن هو – في الحقيقة - جزء أو لبنة في طريق بناء صرح القوميّة.

إنّهم في صنيعهم هذا كانوا متأسّين بسيرة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، الذي أمر بأن يبدأ المرْءُ بمن يعول؛ استجابة لأمر الله تبارك وتعالى: ﴿وأَنذِر عشيرتك الأقربين﴾ (سورة الشّعراء/ 214) وما عشيرة الشّعراء الأقربون سوى الجزائر، التي هي جزء من العالم العربي والإسلامي إن صلحت نفعت وإن طلحت ضرّت.

2 - التّوعيّة التّاريخيّة:

حارب الشّعراء - في إطار التّوعيّة التّاريخيّة – ظاهرة التّمرّد على الماضي، والتّنكّر لما يربط الشّعب الجزائري به: من مقوّمات ومبادئ، قرنوا ذلك بالكشف عن الملامح البارزة في تاريخ الجزائر، والإبانة عن الصّفحات البيضاء في هذا التّاريخ.

كانوا يعمدون إلى شخصيّات تاريخيّة، يذكرون مناقبها، ليطلعوا الشّباب على بطولاتهم وأمجادهم؛ ليستنهضوا هممهم، وينفخوا فيهم روح الانتماء والولاء للتّاريخ الإسلامي والعربي. كما عملوا على تحدّي المستعمرين والمستشرقين – على السّواء - بسرد القيّم الحضاريّة والإنسانيّة التي عرفها التّاريخ العربي …(1) لينشأ عليها النّشء، فتتكوّن فيهم قوّة المقاومة للدّخيل المحتلّ الغاصب.

هذه الإشارات من شأنها تقويّة الرّوح القوميّة في النّفوس، وتركيز حقيقة الهويّة في الأذهان، وهي التي تجعل الشّباب - إذا وعاها حقّ الوعي – واقفا كالسّدّ أمام كلّ من يحاول تشكيكه في إنيّته، وتبقيه دائما معتزّا بشخصيّته مهما يساومه فيها غيره، ومتعلّقا بأرومته مهما تكن حال وطنه، ومهما يلحقه من بلاده، ممّا قد لا يرضى به. والشّعراء كما يقول د. محمد

(1) - لمزيد من التّفاصيل ينظر الدّكتور صالح خرفي، الشعر الجزائري. ص: 105 وما بعدها.

٢٢ / ٨٩