الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ٢٦هكذا أتت التّوعيّة التّاريخيّة بثمارها، حتّى إذا لاحت بشائر الثّورة التّحريريّة «كانت الشّخصيّة القوميّة أرسخ قاعدةٍ لانطلاقها، وأقوم سبيلٍ لصمودها واستمرارها، وفي هذا المنعرج التّاريخي تصبح اللّفتة إلى الماضي يمينا وقسما وعهدا شريفا، وتغدو الذّكرى أبعد ما تكون عن الشّفاعة والاستعطاف وأقرب ما تكون إلى تجديد العهد وتأكيد البيعة:
هذي يميني عن الشّبّان صادقة … خذها لأحمد عهدا عند رجعاكا
واذكر له أنّنا قمنا على محن … شعبا كريما عزيز النّفس درّاكا(1)
هذه صورة من التّجربة الشّعرية الجزائريّة في إثارة أحد مقوّمات القوميّة، ألا وهو التّوعية التّاريخيّة، إنّها تجربة قاسية، ظلَّت صامدة ثابتة. سارت متدرّجة في مسلسل مترابط الحلقات، لم تنقطع، ولم تتأثّر بما وقف في وجهها من عقبات ومثبّطات، أو ملهيات ومغريّات، وضغوط وتهديدات … حتّى وصلت الجزائر إلى شاطئ الأمان، فتحرّرت وانعتقت، واسترجعت كرامتها، فحافظت بذلك على هويّتها، وتمكّنت من قوميّتها.
في ختام هذا المبحث أسجّل ملاحظتين:
1 - كي يبرهن الشّاعر الجزائري على عراقته وأصالة أرومته، وكي ينفّس عن كربته، ويخفّف من تأثير المحنة أو المأساة على قلبه، كان يلجأ إلى الماضي وأمجاده بكثير من الحماسة والزّهو والافتخار، هذا بدوره كان يعينه على استمداد المدد المعنوي والنّفسي، لتجديد الثّقة في نفسه، وإعادة الأمل إلى قلبه، لينطلق في العمل والحركة والنّشاط أكثر عزيمة وإرادة.
2 - لم يكن تعلّق الشّعراء الجزائريّين بالماضي الزّائل، والبكاء على المجد الآفل؛ هروبا من الحاضر المؤلم، والواقع المرّ، كما سجّل ذلك الدّكتور عمر الدّقاق على الشّعر العربي(2)، بل كان التفاتهم إلى الماضي المجيد لغرض إثارة الحماسة في نفوس الأخلاف كي تنهض لتستضيء من تجربة الأسلاف، وتعمل على استرداد المجد الضّائع والكرامة المدسوسة، وتأخذ من الماضي ما يعينها على مواصلة الدّرب واستئناف المسيرة. كما قال الشّاعر الرّبيع بوشامة مخاطبا أبناء الجزائر:
سكنتم من ذرا الأوطان في
(1) - المرجع السّابق. ص: 128،127. (البيان للشّاعر الجزائري الرّبيع بوشامة (1916 - 1959) من قصيدة نشرت في جريدة البصائر (الجزائر)، عدد 24: (23 فيفري 1948م).
(2) - نقد الشّعر القومي. ص:20،21.