الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ٢٨وأغرب خطب هالني خطب موطن … لنا، منعته الشّمسَ أسرابُ أغرب
كما حبست عنه الرّياح وعارضت … له دون سيل القَطر من كلّ مسرب
بأجنحة سود كأنّ خيالها … ظلام بليل قاتم الوجه غيهب
فيا لك فردوسا تحوّل دمنة … ويا وحشتا من أغرب فيك نُعّب
ويا وحشتا من محنة نكبت بها … سلالة … مازيغ وفتية … يعرب
تسام بخسف وهي ولهى حزينة … وتوسم إفكا بالخنى والتّعصّب(1)
نشعر في هذا النّص بهذه الغلالة السّوداء وهذه القتامة، التي تعبّر عن اشتداد الأزمة، وتكشف عن الأنّة العميقة المنبعثة من المأساة الجاثمة على الوطن، ونلمس أنّ الطّبيعة الفاتنة الأخّاذة توضع أمامنا حياةً بائِسةً قاسيةً، ووسيلةً مقاوِمةً مقاتِلةً.
نسجّل منذ البداية أنّ الشّعراء في تعاملهم مع الطّبيعة كانوا مجسّدين نداء مصطفى الأشرف، الذي هو نداء أملاه الدّافع الوطني والقومي والعمل الرّسالي: «ولسنا ندعو الشّعراء إلى مدح طبيعة مؤنّقة ملطّفة مخنّثة، طالما أشْبَعَنا وصف ربيعها، وأروانا إلى حدّ السّآمة والتّخمة، وإنّما هي طبيعة الشّنفرى والطّرماح، ذاتُ الذّئب والطير، وطبيعةُ ذي الرّمة وابن شهيد، ذاتُ الجنّ والغول، وغابات أساطيرنا الشّعبيّة التي تكفل اليتامى، وتجعلهم يأنسون الوحوش ويؤنسونها، وللغابات معان أخرى لا تنتمي إلى النّشوة الرّومنطقيّة، بل إلى مفاهيم الحرّيّة العاملة، وإباء الضّيم والخفاء الايجابي والالتجاء إلى الغاب»(2)
هذه المعاني التي أومأ إليها مصطفى الأشرف هي المعاني التي تهدي الشّعراء إلى توظيف أشعارهم فيما يعين على بعث روح النّضال والتّضحيّة والفداء والاستماتة من أجل إثبات الهويّة.
(1) - ديوان محمد العيد آل خليفة. ص: 289.
(2) - د. صالح خرفي، الشّعر الجزائري، ص: 256 من مقال لمصطفى الاشرف «البطولة في الثّورة الجزائريّة» مجلة الفكر (تونس)،عدد 2 نوفمبر 1959م.